سلمان بن محمد العُمري
أعرض على أنظاركم المقال الذي كتبه الأستاذ إبراهيم البتيت من اليمن الشقيق، وهو مقال لا يمثل مجرد تجربة شخصية، بل هو شهادة واقعية وصادقة تعكس صوت العقل والضمير الحي، وتختصر الفرق بين من يقدم الخير والحياة، ومن يصدّر الموت والدمار.
ففي زمن أُغرقت فيه المنطقة بشعارات الموت، وتسللت فيه المشاريع الطائفية لتدمير النسيج العربي، يأتي المقال الساطع الذي كتبه المواطن اليمني الأستاذ إبراهيم البتيت كصفعة على وجه الزيف، ووقفة صدق تعيد تصحيح المفاهيم. إنه ليس مجرد سطرٍ من مشاعر امتنان، بل هو وثيقة وعي وشهادة حية تُمثّل الملايين من الشرفاء من أبناء اليمن السعيد الذين لم تلوث العقول الحوثية فطرتهم السليمة.
يتجلى في المقال الإدراك العميق لطبيعة العلاقة بين المملكة العربية السعودية واليمن؛ فهي ليست مجرد علاقة جوار جغرافية، بل هي روابط دم ونسب قبائل متداخلة وثقافة واحدة ودين يجمع بين الشعبين الشقيقين عبر القرون.
يقول: إن المملكة بيت يتسع للجميع فقد أظهرت المملكة - كما هي عادتها - روح الأخوة الصادقة عبر استثناءات واستضافات وتسهيلات شملت التعليم والأمن وفتح أبواب العمل والأمان ليدخل المقيم اليمني وأسرته في نسيج المجتمع بكرامة واحترام، دون استنقاص أو تمييز، وإليكم ما كتبه نصاً: (دخلت السعودية لأبحث عن عمل، ووجدت بحمد الله وظيفة صغيرة، وفي نهاية كل شهر استلم راتبي وأرسل منه لأهلي في اليمن ليعيشوا حياة كريمة ولو بحدها الأدنى في بلدٍ أكله الفقر والجوع.
بعد الحرب، وتسلط الحوثة على البلاد، تكرمت المملكة باستثناء اليمنيين في الزيارات العائلية المفتوحة، فاستقدمت زوجتي وأولادي، أجدد لهم كل ثلاثة أشهر إلى أجل غير مسمى.. استأجرت بيتًا، وقدمت أوراق أولادي إلى المدرسة فتم قبولهم، وها قد مرت أعوام يدرسون لم يتغير علينا حال بحمد الله وكأننا في اليمن..
بعد دوامي أخرج مع أولادي للحدائق العامة أو المولات وكأننا في بلدنا تماماً، لا تمييز ولا عنصرية ولا استنقاص ولا ذل، وبين الفينة والأخرى نقرر الذهاب لأداء عمرة، فلا أزيد على أن أدير محرك سيارتي وأنطلق بأمان، لا أخاف إلا الله والسواهر.
استقدمت بعد ذلك أبي وأمي، وهم عندي من سنوات، أعيش وإياهم في المملكة حياة كريمة، فيها الخدمات وفيها الخير وفيها البركة، وفيها التعليم، وفيها الأمن والأمان، وفيها مكة والمدينة، ومع كثرة اليمنيين وهم بالملايين،لا ترى من السعوديين إلا الابتسامة الطيبة، والتعامل الراقي، والأدب الرفيع، وعبارة: (حنا شيء واحد).
[هذا حال يمني واحد من ملايين اليمنيين مثله يعيشون في المملكة هذه الحياة]
ومع هذا الذي يراه اليمني ويعيشه، يأبى الحوثي إلا أن يصور لنا المملكة على أنها عدو، وإيران البعيدة هي الصديق!
لكن ما لم يدركه الحوثي أن اليمني حين يقارن بين السعودية وإيران، فإنه لا يقارن بين دولتين متشابهتين، بل بين جارٍ تجمعه به أواصر اللغة والدين والتاريخ، وبين مشروع غريب تسلل إلى اليمن محملًا بالسلاح والخراب والموت.
السعودية واليمن بلدان متجاوران، تجمعهما لغة واحدة، ودين واحد، وقبائل متداخلة، وعادات وتقاليد متقاربة، وروابط دم ونسب ومصاهرة وتجارة لليمنيين عندهم ممتدة عبر القرون، ومهما وقع بين الدولتين من خلاف سياسي أو تباين في المواقف، فإن الجغرافيا لا تتغير، والود لا يزول، والأواصر لا يمكن قطعها.
أما إيران، فلا يجمعها باليمن جوار ولا لغة ولا ثقافة ولا تاريخ اجتماعي مشترك.
لم تأتِ إلى اليمن بمدرسة ولا مستشفى ولا فرصة عمل، بل دخل نفوذها محمولًا على ظهور الميليشيات، وبين صناديق السلاح وقطع الصواريخ والطائرات المسيرة، ومع خبراء الحرب والتفجير والدعاية الطائفية.
لا يجد اليمني العادي مكانًا في إيران للعمل أو الدراسة أو الإقامة، في الوقت الذي يعيش فيه ملايين اليمنيين في السعودية، يعملون ويطلبون الرزق ويعيلون أسرهم (ملايين الأسر في اليمن)، ويدرس أبناء اليمنيين في المدارس والجامعات السعودية، ويتلقون العلاج، ويدخلون أسواق العمل، ويختلطون بالمجتمع الذي يعرف لهم لغتهم وعاداتهم ويحترم روابطهم الاجتماعية.
لا يذهب إلى إيران من اليمنيين غالباً إلا من ارتبط بالمشروع الحوثي، ليتلقى التدريب العقائدي أو الأمني أو العسكري، ثم يعود محمّلًا بالكراهية وأدوات الموت.
أما السعودية فقد كانت وما زالت ملجأً لليمنيين - بعد الله - في أوقات الرخاء والحرب، ووجهتهم الأولى للإقامة والعمل والتعليم.
لسنا نقول إن السعودية معصومة من الخطأ، ولا إن علاقاتها باليمن خلت من الخلافات؛ فالدول تتفق وتختلف، وتصيب وتخطئ، لكن الفرق عظيم بين جار قد تختلف معه وتبقى بينك وبينه صلة الدم والدين والمصير، وبين نظام بعيد عنك في كل شيء، لا يراك إلا ساحة نفوذ، ولا يرى أبناءك إلا جنوداً في مشروعه، ولا ينظر إلى أرضك إلا منصةً لصواريخه وحروبه.
فلا يخدعكم الحوثة بشيطنة المملكة لحساب على إيران، ولا صرخاتهم باسم السيادة والاستقلال؛ فمن سلّم قراره لطهران، واستورد منها السلاح والشعار والعقيدة، فلا يتهم غيره بالارتزاق).
انتهى مقال الأخ إبراهيم البتيت، وأتمنى أن يقرأ عقلاء اليمن هذه المقالة بقلوبهم وعقولهم، وأن يستوعبوا مضامينها قبل فوات الأوان، فالحق أبلج، والوفاء أصلٌ أصيل في الشيم العربية، ومهما حاول الحوثي وسادته في طهران تزييف الواقع، فإن الشواهد الشاخصة على الأرض تثبت دوماً أن السعودية كانت وما زالت سند اليمن ودرعه الحصين، وأن الخير الذي ينبت في أرض المملكة سيظل يظلل بأغصانه أهله وإخوانه في اليمن.