أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
حدَّثنا (ذو القُروح)، في المساق الماضي، عمَّا كتبَه راويةُ التاريخ السُّرياني عن وصول (عُمَر بن الخطاب) إلى (القُدس)، في نهاية سنة 948 يونانية، وهي السنة 26 لهرقل، والخامسة عشرة للهِجرة، واستقباله من أسقف القُدس (صفرونيوس)، وكتابته له عهدًا على أن لا يسكن يهوديٌّ القُدس. وذكرَ أَمْرَه ببناء مسجدٍ في موقع الهيكل. وحكى كيف أنَّ عُمَر رفض ما عرضه عليه الأسقف من ثيابٍ بدلَ ثيابه الرَّثَّة. ورغم التماس الأسقف منه قبولَها، فإنه أَبَى، قائلًا: «لا ينبغي على المرء أن يأخذ شيئًا من آخَر، لم يُعطه اللهُ إيَّاه؛ لأنَّ الله يُعطي لكلِّ إنسانٍ ما يريده، وإذا طَمِع بما عند رفيقه، يكون قد تصرَّف ضدَّ مشيئة الله.» وأردفَ الراوية السُّرياني كاتبًا:
- «وكان عُمَر بن الخطاب موضع الثناء في مثل هذه التصرُّفات. فالمسلمون يروون عنه الكثير من هذا القبيل. والحقُّ يُقال: إنَّه كان عادلًا وغير جَشِع؛ بحيث إنَّه لم يأخذ شيئًا لنفسه ممَّا غنمَ من أموال وكنوز الفُرس والرُّوم، بعد السيطرة عليهم، حتى ولا ما يغيِّر به بساطة ثيابه. وكان يضع عباءته تحته لدَى ركوبه الجَمل، وإذا ما جلسَ أو نامَ، كانت الأرضُ مَقْعَدَه وسَريرَه. ولمَّا أَلَحَّ عليه الأسقفُ، أجاب: «حيث إنَّك التمستَ منِّي، ونظرًا إلى كرامتك لديَّ، فسوف أستعير الثياب التي جلبتَها لألبسَها، ريثما تُغسَل ثيابي، وسأعيد إليك ثيابَكَ لدَى إعادة ثيابي. وهكذا فعلَ.»(1)
- هذا، إذن، هو التاريخ الذي يشهد به الآخرون، ويستنكف منه من يُفترض أنهم أهله. وما بعد ذلك الاستلاب من استلابٍ يُذكَر!
- وعن (الجبهة الفارسيَّة)، تقرأ ترجمةً عن الرواية التاريخيَّة السُّريانيَّة:
«غادر (سعد [ابن أبي وقاص]) (يثربَ) وعسكرَ بالقُرب من مدينة (الكوفة)، أي (عاقولا). وجمعَ (يزدجردُ) مَلِكُ الفُرس جيشًا وأرسله لملاقاة جيش المسلمين، وعسكروا على ساحل (الفُرات) بالقرب من عاقولا. وأرسلوا أحد أبناء الحِيرة، يتقن اللُّغة العَرَبيَّة، ليتجسَّس عليهم... فعاد [الحِيريُّ] وقصَّ الأمر على الفُرس، وقال: لقد وجدتُهم شَعبًا حافيًا، وضعيفًا، لكنَّهم شُجعان. وكشفَ للقائد ما رآه هو وما فكَّر فيه. ولمَّا التقَى الجيشان هُزِم الفُرس، فطاردَهم [المسلمون] حتى قطسفون [المدائن] الواقعة على (دجلة). وهَرَبَ أحدُ قُوَّاد الفُرس، وهو مُسلَّح، يرتدي تُرْسًا، فطاردَه بدويٌّ غير مُسلَّحٍ سِوَى برُمح! وفي إحدَى القُرَى وجدَ الفارسيُّ شخصًا في الحقل، فطلبَ إليه أن يَدُلَّه إلى مكانٍ يختفي فيه لينجو من مطاردته، فأخفاه، وظلَّ مختفيًا بعض الوقت، ظنَّا منه أنه يُطارَد من قِبل كثيرين. وما هي إلَّا هُنيهة حتى ظهرَ رجلٌ لا يرتدي ثياب الحرب، ويمتطي فَرَسًا بشكلٍ غير منظَّم، ولا تبدو عليه ملامح الجنود، فتعجَّب، وقال: كيف يهرب مرتعبًا رجلٌ يرتدي تُرسًا ومُسلَّحٌ بمختلف الأسلحة، وأضخم جسمًا وأهيب منظرًا، من أمام رجلٍ دميم المنظر؟! فغضب ذلك الرجلُ واحتقرَ الفارسيَّ لأنَّه هربَ واختفى من أمام بَدَوِيٍّ. فقال له الفارسيُّ: لا تلُمني، بل اسمعني، وانظر بأُمِّ عينك لتؤمن، فانتزع سهمًا ورماه بمر [كذا!](2) حديدي، فثقبَه، وقال: بمثل هذه الرمية رميتُ البَدَوِيَّ عِدَّةَ مَرَّاتٍ، لكنَّه كان يَطْرُد السِّهام برُدْنِه، وكأنَّه يَطْرُد ذُبابًا! فهل صدَّقتَ، إذن، أنَّ نصرهم هو من الله؟ هذا ما دعاني إلى الهَرَب!»(3)
- قد يقول قائل: طبعًا، لأن العَرَبَ أنقذوا (السُّريانَ) من ظلم (الفُرس) و(الرُّوم) امتدحوهم!
- بل إنَّ المؤلِّف نفسه، حينما يحلِّل تلك الأخبار، يميل أحيانًا إلى القول إنَّ السُّريان إنَّما تعاطفوا مع العَرَب وامتدحوهم لأنَّهم أنقذوهم من اضطهاد (الرُّوم) و(الفُرس). غير أنَّنا نرَى أنَّ هذا في ذاته شهادة تاريخيَّة إيجابيَّة لهم. ومهما كانت نِسبه اليقين في المصدر السُّرياني، فلا شكَّ أنَّ نِسبة الصحَّة فيه أرجح، ولاسيما أنَّ المؤرِّخ السُّرياني ما كان بذلك المؤرِّخ الذي يكتب كتابه التاريخيَّ وهو في بُرجٍ عاجي، أو وهو تحت وطأة سُلطانٍ ما، يُملي عليه ما يكتب. بل هو تاريخٌ أقرب إلى المرويَّات الشَّعبيَّة العامَّة، التي تمنح طبيعتُها ما وردَ فيها من المصداقيَّة أضعافَ ما يمكن أن يناله مؤرِّخٌ نمطي، تُرسَم له الخطوط الحمراء والخضراء، من حدود ما يَدَع أو يكتب.
- معنى كلامك أنَّ ثمَّة فوارق بين الرِّوايات التاريخيَّة الإسلاميَّة وتلك الرِّوايات السُّريانيَّة، حول الأحداث المبكِّرة من تاريخ الإسلام؟
- نعم. ولذا يرى المؤلِّف أنَّ تلك الرِّوايات السُّريانيَّة تأتي بتسلسلٍ منطقيٍّ فيما ترويه عن بعض المحطَّات الكُبرى من الفتوحات الإسلاميَّة، مقابل ما تعاني منه الرِّوايات الإسلاميّة من بعض الاضطرابات في منطقيَّة التسلسل الزمني؛ وذلك لابتعاد فترة تدوين الرِّوايات الإسلاميَّة عن زمن وقوع الأحداث.
- مثل ماذا؟
- ممَّا أورده المؤلِّف، مثلًا، أنَّه يتَّضح من خلال الرِّوايات السُّريانيَّة:
1- أنَّ قرار فتح بيت (المقدس)، ومعه (بلاد الشَّام) برُمَّته، كان قرارًا نَبَويًّا مبكِّرًا.
2- في السنة الخامسة من خلافة (عُمَر) وقعتْ معركة (اليرموك) الفاصلة، التي انهارت إثرها كلُّ دفاعات البيزنطيِّين.
3- في عام 637م دخلَ الخليفة (عُمَر) إلى (القُدس) وفتحها.
4- في عام 650م قُتِل (يزدجرد)، وفتحَ (سعيد بن عثمان بن عفَّان) بلاد ما وراء النهر، وصولًا إلى (مَرْو)، وأُرسِل تاجُ كسرَى إلى (المدينة المنوَّرة).(4)
- معنى هذا أنَّ التاريخ لا يكتبه المنتصرون دائمًا!
- وهذا ما أردنا لفت النظر إليه، أنَّ التاريخ لا يكتبه المنتصرون دائمًا، كما يقال، بل قد تكتبه الشعوب. وفي الكتاب المشار إليه ضروبٌ من تلك الكتابات الشَّعبيَّة، التي هي جديرةٌ بالاهتمام والدَّرس، بعيدًا عن العواطف القوميَّة أو الحماسة الدِّينيَّة، الطاغيتَين على الموضوعيَّة العلميَّة.
- تذكُر، يا (ذا القُروح)، أنَّه ما دعانا إلى هذا المخاض التاريخيِّ غير ذلك الاستلاب العَرَبي المعاصر، الذي بات يهيمن على الأُمَّة، في لغتها، وتاريخها، وقِيَمها، وثقافتها.
- لأنَّها لم تعُد ترَى نفسها إلَّا كذلك الفارسيِّ، الذي هَرَبَ أمام البَدَويِّ العَرَبي، مع أنَّه كان مدجَّجًا بأضعاف أضعاف الأسلحة التي عند البَدَوي، إنْ وُجدت!
- فكيف بالعربيِّ اليوم، وهو يشاهد الآخَر مدجَّجًا من الأسلحة بما لا قِبَل له به؟!
- لا غرو أن يُستلَب من رأسه إلى أخمص كرامته.
- ولا عجب أن يَسترِقَّ نفسَه بنفسه للآخَر، ما لم يعصمه جبلٌ من الوعي، وبقايا من العقل والإيمان، كيلا يغدو كريشةٍ في مهبِّ العواصف الحضاريَّة، لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقَى.
* مرفأ:
يَقُوْلُوْنَ : المَلُوْلُ بِلا وَفَاءٍ؛
فقُلْتُ: سُجُوْدُ عَبْدِ الأَمْسِ طَالا
رَوَاغُ الذِّئبِ لا يُدْعَى وَفَاءً
وكَيْفَ تَفِيْ السَّرَاحِيْنُ الغَزَالا؟!
تَمَلُّ الأرضُ سِحْنَتَها، فتَصْحُو:
مُرُوْجًا ، أو يَبَابًا ، أو غِلالا
ولكِنْ رُبَّما تَسْعَى شُمُوْسٌ
لِمَثْوَاها، فتَدْعُوْ اللَّيْلَ شَالا!
* * *
تَظَلُّ السُّفْنُ تَنْهَلُ مِنْ سَرَابٍ
وما يُرْوِيْ السَّرَابُ بِها النِّهَالا
فأَسْرِعْ بِالخُطَا لكِنْ بِبُطْءٍ
فكَمْ مِنْ مُسْرِعٍ بالمَهْلِ نَالا
وكَمْ مِنْ مُمْعِنٍ في أَنْفٍ عَالٍ
إذا هُوَ مِنْهُ يَسْتَفِلُ اسْتِفَالا!
(1) خلف، تيسير، (2016)، الرواية السُّريانيَّة للفتوحات الإسلاميَّة، (دمشق - بيروت: دار التكوين)، 57.
(2) يبدو هنا خطأ مطبعي، لعلَّ صوابه: «فانتزع سهمًا ورماه في تُرسٍ حديدي، فثقبَه.»
(3) م.ن، 49-50.
(4) يُنظَر: م.ن، 83-88.
** **
(العضو السابق بمجلس الشورى - الأستاذ بجامعة الملِك سعود)