أحمد الأسمري
من هرمز إلى باب المندب، تضج المنطقة من حول السعودية بصخب الحرب: صواريخ ومسيّرات، وممرات مهددة، وملاحة تحسب مخاطر كل رحلة.
وقد أصبحت هذه المواجهة أرضاً خصبة لطموحات المتشددين على اختلاف مواقعهم؛ يمين إسرائيلي دفع الصراع إلى حرب مفتوحة طمعاً في إعادة تشكيل المنطقة، وعقائديون في طهران يحاولون تعميم كلفتها خارج حدود إيران، مستخدمين أذرعهم، ومن بينها المليشيا الحوثية التي تهدد البحر الأحمر وسفن المملكة، وصقور في واشنطن وسّعوا التدخل العسكري من دون أن يملكوا حتى الآن طريقاً واضحاً للحسم، فبقيت الولايات المتحدة تتأرجح بين تصعيد الضربات وإبقاء أبواب التفاوض مواربة.
وسط هذا الاضطراب، تمضي السعودية بإيقاعها المعتاد: مدن تعمل، وأسواق تحافظ على توازنها، ومطارات وموانئ تؤدي أدوارها للوطن والجوار والعالم، ومشروعات لا تنتظر هدوء الإقليم كي تواصل طريقها.
هذه الصورة لا تعني أن الخطر بعيد أو أن الدولة تقلل من شأنه، بل إن مؤسساتها تمتص أثره قبل أن يصل إلى حياة الناس، وتتعامل معه داخل غرف العمليات ومراكز القرار، لا في طوابير المتاجر أو ارتباك المطارات أو تعطل الخدمات.
إدارة بلد بحجم السعودية تحت ضغط الحرب مهمة شديدة التعقيد. فالدولة مطالبة بحماية منشآتها وسمائها وممراتها البحرية، وتأمين الغذاء والدواء والطاقة، وإعادة ترتيب حركة الطيران والشحن، مع الحفاظ على ثقة الداخل والخارج، واستقرار المجتمع، واستمرار الاقتصاد.
والنجاح هنا لا يظهر دائماً في مشهد صاخب. قد يظهر في شحنة تصل في موعدها، أو رحلة يتغير مسارها من دون فوضى، أو مشروع يستمر رغم ارتفاع المخاطر، أو سوق لا تسمح للشائعة بأن تقودها. فالتفاصيل التي تبدو عادية هي في حقيقتها حصيلة عمل واسع لا يظهر كله للناس.
وقد كشفت الحرب قيمة قرارات سبقت الأزمة بعقود. فخط أنابيب شرق - غرب، وميناء الملك فهد الصناعي في ينبع، وقدرات التصدير عبر البحر الأحمر، تحولت إلى خطوط أمان للمملكة وأسواق الطاقة العالمية، ومنحت السعودية مرونة أكبر عندما أضحى هرمز ساحة ضغط وابتزاز.
ولا يقف الأمر عند الطاقة. اتساع الجغرافيا السعودية، وتعدد الموانئ والمطارات، وقوة الاحتياطيات وسلاسل الإمداد، وحيوية السوق الداخلية، كلها تمنح الدولة قدرة على امتصاص الصدمة وإعادة توزيع الحركة، من دون أن يتوقف البلد عند منفذ أو مسار واحد.
لكن استمرار الحياة لا يعني التساهل مع من يهددها. فالسعودية التي تحرص على التهدئة لا تترك سفنها أو أجواءها أو مصالحها مكشوفة، ومعالم الرويّة والحكمة توازيها جاهزية تمنع المعتدي من إساءة فهم الصبر السعودي.
الدولة الكبرى ليست التي تعيش بعيداً عن الأزمات دائماً، بل التي يشتعل جوارها فلا تتعطل، وتتعاظم الأخطار حولها فلا تفقد توازنها، وتبقى حياة مواطنيها أكبر من أن تصبح رهينة لصاروخ أو تهديد أو شائعة.