رمضان جريدي العنزي
في السفر ابحثوا عن الغيم إذا تهادى، وعن المطر إذا همى، وعن الدِّيم إذا أسبلت على الأرض وشاح الحياة، وعن السحاب حين ينسج للسماء أثوابها البيضاء، غازلوا العشب إذا اخضرَّ، وحقول القمح إذا تمايلت سنابلها كأنها أمواجٌ من ذهب، وبساتين الفاكهة حين تفيض بعطرها وألوانها، وحقول القمح والحنطة، ومناظر البيوت على التلال، واشربوا من ماء الحياة حتى ترتوي الأرواح قبل الأجساد، وعانقوا الزهر، فإنه لغة الجمال التي لا تحتاج إلى ترجمان، ومع تباشير الفجر، أصغوا إلى نداء الأذان وهو يشق سكون الكون بنداء السماء، وتأملوا هديل اليمام، وهمس الحمام، ففي تلك الأصوات من السكينة ما يغسل القلب من عناء الأيام، ارسموا السعادة بأيديكم، وأوقدوا مصابيح الفرح في دروبكم، وجددوا العزم الذي لا يعرف الفتور، وامضوا إلى آمالكم السامقة بخطى الواثقين، فإن الحياة لا تمنح كنوزها إلا لمن سار إليها بقلبٍ حيٍّ ونفسٍ مؤمنة، ثم طوفوا في الأرض، ففيها بهاءٌ يأسر الأبصار، وروعةٌ تنبض بالحياة، إشراقةُ البحر وعنفوان الحضارة، فسيروا في مناكب هذه الأرض، ففيها جناتٌ خضر، وأنهارٌ من الجمال، وأوديةٌ تفيض بالسحر، وجبالٌ تروي للأجيال حكايات الزمن، وسهولٌ تكتسي بأبهى الحلل، وفيها البحر حين يهمس، والأثر حين يتكلم، والتحف الطبيعية التي أبدعها الخالق، والنرجس والكريستال، واللون والزخرف، والدهشة التي لا تنقضي، إنها أرضٌ الله كلما أمعنت النظر فيها، أيقنت أن الجمال ليس لوحةً تُرى، بل حلم يُعاش، وأن السعادة ليست أمنيةً مؤجلة، بل رحلةٌ تبدأ حين يفتح الإنسان قلبه لعظمة الخالق، ولجمال الأرض التي أنعم الله بها عليه، فالسفر ليس عبورًا بين المدن، ولا انتقالًا بين الحدود، وإنما هو ارتحالٌ من ضيق النفس إلى سعتها، ومن رتابة الأيام إلى دهشة الاكتشاف، ومن ضجيج الحياة إلى محراب التأمل، ومن أحسن السفر، عاد بروحٍ أكثر صفاءً، وعقلٍ أوسع أفقًا، وقلبٍ أشد امتنانًا، وكأنه وُلد من جديد، بعد أن اغتسل في ينابيع الجمال، وارتوى من معين الدهشة، وسكن إلى عظمة الخالق في بديع صنعه، إن أجمل ما في السفر ليس الطريق، ولا المسافات، ولا تبدل المدن والمناظر، وإنما صحبةٌ فاخرة، تتآلف فيها الأرواح قبل الأجساد، وتتلاقى فيها القلوب قبل الأعين، فإذا أجتمعت تلك الرفقة، ارتقى الحديث حتى غدا أدبًا، وتحول الضحك إلى سعادةٍ خالصة، وأصبح الصمتُ مودةً لا وحشة فيها، وأنسًا لا يعتريه مل، وغدى السفر عامر بالمروءة والوفاء، وتحوَّلت الرحلة إلى ذكرى خالدةٍ تأبى الأيام أن تمحوها، وتظل تتوهج في الذاكرة كلما مرَّ بها الخاطر، ويعود المسافر بقلبٍ أكثر رحابة، وروحٍ أكثر صفاء، وعقلٍ أوسع أفقًا، ونفسٍ امتلأت امتنانًا للحياة، إن الأرواح الراقية إذا تصافت في السفر، هانت المسافة، وأستعذب السفر، وبقت الأشياء متقدة في الذاكرة، كلما مر بها الخاطر، فتعيد إلى القلب دفء اللحظة، وإلى الروح بهاء اللقاء، وإلى العمر أجمل ما فيه.