ناصر بن فريوان الشراري
تمر منطقة الشرق الأوسط اليوم بمنعطف تاريخي يمكن وصفه بـ «حرب كسر العظم»، وهي مواجهة صفرية لا تُقاس بمجرد جولات تقليدية من القصف المتبادل، بل بإرادة سياسية دولية تسعى جاهدة لتفكيك الروافع الجيوسياسية التي تأسست عليها الهيمنة الإقليمية لإيران طيلة العقود الأربعة الماضية، بين خنق الممرات المائية الحيوية، وصعود معادلات سياسية جديدة في بغداد، وتعاظم الضغوط على جبهات لبنان وسوريا، يبرز مشهد معقد يعاد رسم معالمه بدقة، لتتجاوز أهدافه الجغرافيا المحلية نحو صراع القوى العظمى على قيادة النظام الدولي.
أولاً: شريان «خرج» وتصدع الفسيفساء الإيرانية
تُمثل جزيرة خرج الرئة الاقتصادية الكبرى التي يتنفس منها النظام في طهران، حيث يعبر من خلالها ما يقارب 90% من صادرات النفط الخام الإيراني ومن هنا، فإن استهداف هذه الرئة أو فرض حصار بحري خانق عليها وعلى مضيق هرمز لا يعني فقط تجفيف منابع تمويل المجهود العسكري الإيراني وأذرعه في المنطقة، بل هو ضربة في مقتل للبنية الاقتصادية والخدمية المتداعية بالأساس في الداخل الإيراني، إن هذا الخنق الاقتصادي من شأنه أن يضعف القبضة الأمنية المركزية لطهران، مما قد يفتح الباب على مصراعيه لتصدع «الفسيفساء الديمغرافية» المتنافرة تاريخياً داخل إيران، حيث ترقب القوميات والإثنيات المختلفة من البلوش والأكراد إلى عرب الأحواز والأذريين لحظة ترهل المركز للمطالبة بحقوقها السياسية أو التوجه نحو الاستقلال، مما يهدد بتفكيك الجغرافيا الإيرانية من الداخل.
ثانياً: استدارة بغداد والعودة إلى الحاضنة العربية
في المقابل، يبرز العراق كأحد أهم ساحات التحول الإقليمي الحاسم، فبعد عقود من مصادرة القرار السيادي العراقي منذ عام 2003، تشهد بغداد اليوم تحت مظلة حكومتها الجديدة حراكاً جاداً للانفكاك من أذرع الأخطبوط الإيراني، وقد تجسد هذا التحول في الزيارة المحورية لرئيس الوزراء العراقي إلى البيت الأبيض ولقائه بالرئيس ترامب، وما تلى ذلك من إعلانات رسمية واضحة تصنف الفصائل المسلحة الخارجة عن القانون وفي مقدمتها حزب الله كيانات إرهابية مهددة لسيادة الدولة، هذا الموقف الشجاع، المدعوم بقرار أمريكي حازم وتنسيق خليجي وثيق، يهدف بالدرجة الأولى إلى تجريد هذه الأذرع من شرعيتها وحصر السلاح بيد الدولة، لتكون تلك بداية مرحلة تنظيف العمق العربي من الفلول التي عاثت في مقدرات المنطقة تدميراً وتهجيراً.
ثالثاً: حسابات بكين وموسكو في أتون أزمة الممرات
إن سيناريو إغلاق مضيق هرمز أو شل حركة جزيرة خرج لا يقف عند حدود الصراع الإقليمي، بل يمس مباشرة مصالح القوى الكبرى في الشرق:
التنين الصيني: ينظر إلى مضيق هرمز بصفته شرياناً حيوياً لأمن الطاقة العالمي وسلاسل الإمداد، حيث تعد الصين المستورد الأكبر للنفط الإيراني بأسعار تفضيلية وأي تعطل كامل للملاحة هناك سيهدد النمو الاقتصادي الصيني ويرفع أسعار النفط العالمية إلى مستويات قياسية، لذا تعتمد بكين دبلوماسية وقائية هادئة وضغوطاً خلف الستار لمنع خروج الصراع عن السيطرة وتأمين تدفقات الطاقة.
الحليف الروسي: يرى في اشتعال جبهة هرمز فرصة جيوسياسية لتشتيت التركيز العسكري والمالي الغربي بعيداً عن الجبهة الأوروبية، فضلاً عن العوائد الاقتصادية التي قد تجنيها موسكو من ارتفاع أسعار النفط ومع ذلك، تظل الحسابات الروسية حذرة، حيث لن تغامر موسكو بصدام عسكري مباشر مع واشنطن لحماية الموانئ الإيرانية، بل ستوظف الأزمة كورقة مساومة دولية لفرض شروط جديدة.
رابعاً: هل تستطير الشرارة وتتدخل إسرائيل؟
لم تعد إسرائيل لاعباً يراقب من بعيد، بل إنها شريك فاعل في عمليات الردع والضربات المنسقة استخباراتياً وعسكرياً مع واشنطن في العمق الإيراني ومع تزايد حدة المواجهة، تبدو فرضية التدخل الإسرائيلي المباشر والواسع معتمدة على مسارين:
الاندفاع نحو ضربة الرأس: إذا ما شعرت إسرائيل بتهديد وجودي يتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية من قبل إيران أو ما تبقى من أذرعها، فإنها لن تتردد في الذهاب نحو مواجهة شاملة تستهدف المنشآت الحيوية والنووية في العمق الإيراني مباشرة.
توزيع الأدوار: تفضل تل أبيب في كثير من الأحيان بقاء واشنطن في واجهة الصدام البحري والاقتصادي المباشر، بينما تتفرغ هي بمكر للقيام بعمليات جراحية دقيقة في الأراضي السورية واللبنانية.
خامساً: جبهة الشام ومأزق الحاضنة اللبنانية
تتسارع الأفكار والطروحات الدولية حول كيفية تصفية وجود الأذرع المسلحة على الأرض من خلال معادلات غير تقليدية:
المعادلة السورية: يطرح البعض فرضية دفع وتحفيز القوات السورية على الأرض للمساعدة في التخلص من الفصائل الإيرانية وحزب الله، وهي فرضية تتطلب دعماً عسكرياً واقتصادياً هائلاً من الولايات المتحدة وأوروبا لدمشق، وتقديم ضمانات ببدء إعادة الإعمار الشامل مقابل الدعم الكامل اللا محدود وتأمين الحدود المشتركة.
مأزق نبيه بري: في لبنان، يجد رئيس مجلس النواب نبيه بري نفسه تحت مقصلة القرارات الدولية الصارمة (وعلى رأسها التطبيق الحرفي للقرار 1701) وسندان الحفاظ على بيئته الاجتماعية من الانهيار التام بعد جفاف منابع التمويل الإيراني، هذا الضغط الهائل قد يدفع بري خشية على مستقبل الحاضنة السياسية والشعبية إلى ممارسة ضغوط قصوى لإلزام حزب الله بالقبول بنزع سلاحه جنوب الليطاني وتسليم دفة الأمور للدولة اللبنانية وجيشها الوطني.
زبدة القول:
إنها حقاً مرحلة إعادة ترتيب الأوراق وتصفية الحسابات، حيث تسعى الولايات المتحدة لتهيئة المنطقة بأكملها لما بعد هذه الحرب، وصياغة توافق إقليمي شامل يضمن استقرار جبهتها الخلفية، فالهدف الاستراتيجي الأبعد لواشنطن لا يقف عند حدود تفكيك أذرع طهران، بل يكمن في تأمين الشرق الأوسط والتفرغ للتحدي الكوني الأشمل: التصدي للتنين الصيني وحليفه الروسي.