د. سامي بن عبدالله الدبيخي
في زمن تتسابق فيه المدن نحو الزجاج والحديد، تقف مكة المكرمة شامخةً بجبالها الصخرية، كأنها تُعلن للعالم أن ثمة مدناً لا تُقاس عظمتها بما شُيّد فوق أرضها، بل بما نبت من صخرها وتجذّر في تضاريسها.
الجبال هنا ليست مجرد كتل صمّاء تحدّ الأفق، إنها شاهدٌ حيّ على أولى خطوات الوحي، وصدى للأذان الأول، وظل أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام وهو يرفع القواعد.
لهذا السبب بالذات جاء دليل التعامل مع المناطق الجبلية بمكة المكرمة ودليل القطع الصخري ليكونا وثيقتَي هوية قبل أن يكونا دليلَي بناء.
يحدد الدليل أن المناطق الجبلية في مكة المكرمة تشكل حوالي 53% من إجمالي مساحة المدينة، وهو ما يمنحها هوية بصرية فريدة ذات طابع مميز.
وتشير الدراسات إلى أن 71.8% فقط من هذه المناطق الجبلية صالحة للتنمية.
هذه الأرقام لا تُقرأ إحصائيات فحسب، بل هي شهادةٌ على أن مكة مدينة نشأت في أحضان الجبال، ولم تكن الجبال يوماً عائقاً أمام عملية التنمية والتطوير فيها.
أصدرت الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة هذين الدليلين عام 2026.
الأول هو دليل التعامل مع المناطق الجبلية بمكة المكرمة والذي يحدد بدقة ثلاث مناطق جبلية، المنطقة الأولى ميلها أقل من 30 درجة وهي قابلة للتطوير بضوابط، والمنطقة الثانية ذات ميل يتراوح ما بين 30 و40 درجة وتستوجب دراسات استقرار منحدرات دقيقة قبل أي تدخل، فيما تبقى المنطقة الثالثة التي يزيد ميلها على 40 درجة محميةً من التطوير صوناً للحياة وللهوية معاً.
أما دليل القطع الصخري فيذهب إلى أبعد من الضوابط التقنية، إذ يضع منهجية علمية متكاملة لتصنيف الصخور وفق معايير دولية مثل GSI وRMR، وتحديد أساليب القطع المناسبة لكل نوع، من المعدات الميكانيكية إلى تقنيات القطع بالأسلاك الماسية، مروراً بالتفجير المضبوط حين لا مناص من ذلك.
والهدف ليس الهدم، بل الحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه، وتنظيم ما لا بد من استئصاله حتى لا تختفي معالم المشهد الجبلي المكي دفعة واحدة تحت وطأة الجرافات.
ما يميز هذين الدليلين هو إدراكهما أن التعامل مع جبال مكة يختلف جذرياً عن أي تضاريس أخرى في العالم.
فحين تُحدد الوثيقة أن المناطق الجبلية تستوجب تقييم الأثر البيئي والاجتماعي وخرائط مخاطر السقوط الصخري ومصدّات طاقة عالية، فهي في الوقت ذاته تُعلن أن كل صخرة وكل منحدر هي أمانة حضارية قبل أن تكون تحدياً هندسياً.
إن ملايين الحجاج والمعتمرين الذين يؤمون العاصمة المقدسة من أصقاع الأرض ومن كل فج عميق، لا يبحثون فقط عن الكعبة المشرفة، إنهم يبحثون أيضاً عن المشهد الكلي لمكة بجبالها وصخورها ومظاهرها الطبيعية التي تختزن أحداثاً تراكمت في الوجدان الإسلامي عبر أربعة عشر قرنا خلت.
إن الحفاظ على هذه التضاريس بضوابط علمية صارمة وحكمة تخطيطية واعية هو في جوهره حفاظ على عقد بين الحاضر والماضي، وبين الإنسان والمكان المقدس الذي لا مثيل له على وجه الأرض.