د. عبدالمحسن الرحيمي
قبل سنوات، كشفت دراسة لجامعة ستانفورد أن الشركات التي أسسها خريجو الجامعة وأعضاء هيئة التدريس فيها تحقق إيرادات سنوية تقارب ثلاثة تريليونات دولار، وتوفر ملايين فرص العمل حول العالم. ولو جُمعت هذه الشركات في اقتصاد مستقل، لأصبحت ضمن أكبر اقتصادات العالم. لم يكن هذا الرقم مجرد قصة نجاح لجامعة عريقة، بل كان مؤشرًا على تحول أعمق في فهم وظيفة الجامعة ودورها في بناء الاقتصادات الحديثة.
فالقيمة الحقيقية للجامعة لا ترتبط فقط بما تقدمه من تعليم أو بما تنتجه من بحوث، وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة إلى أثر. فالفكرة العلمية عندما تتحول إلى تقنية، والتقنية عندما تصبح منتجًا، والمنتج عندما يخلق صناعة وفرص عمل، فإن الجامعة تتجاوز دورها التقليدي لتصبح جزءًا من منظومة القوة الوطنية.
ويعكس هذا التحول تغيرًا في طبيعة الاقتصاد العالمي؛ فلم تعد الدول تتنافس فقط بما تملكه من موارد طبيعية أو قدرات صناعية، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة، وتطوير التقنيات، واستثمار رأس المال البشري. وأصبحت الجامعات في قلب هذه المنافسة، لأنها البيئة التي تلتقي فيها المعرفة بالابتكار، والبحث العلمي بالتطبيق، والعقول بصناعة المستقبل.
ولهذا تغير السؤال الذي يوجه الجامعات. فلم يعد السؤال محصورًا في كيفية رفع جودة التعليم أو تحسين التصنيف العالمي، بل أصبح أكثر ارتباطًا بدورها الوطني: كيف تستطيع الجامعة أن تولد قيمة تتجاوز حدودها لتسهم في الاقتصاد والمجتمع والتنمية؟
وقد تطور مفهوم الجامعة عبر مراحل متعاقبة؛ فمنذ نموذج فيلهلم فون هومبولت الذي رسخ فكرة الجامعة البحثية وجعل إنتاج المعرفة جزءًا أصيلًا من رسالتها، انتقلت الجامعة لاحقًا إلى نموذج الجامعة الريادية المرتبط بأعمال هنري إتزكوفيتز وبيرتون كلارك، حيث امتدت رسالتها من إنتاج المعرفة إلى تحويلها إلى ابتكار وشراكات ومشروعات اقتصادية.
واليوم، مع صعود الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والتقنيات العميقة، يبرز سؤال أكثر تقدمًا: هل يكفي أن تنتج الجامعة المعرفة أو حتى أن تحولها إلى ابتكار؟ أم أن المرحلة المقبلة تتطلب جامعة قادرة على تعظيم القيمة الوطنية الناتجة عن مواردها وإمكاناتها؟
وفي المملكة العربية السعودية، جاء هذا التحول ضمن مشروع وطني أعاد تعريف دور الجامعة في التنمية. فقد وضعت رؤية المملكة 2030 التعليم العالي والبحث والابتكار في قلب التحول الوطني، فلم تعد الجامعة مجرد مؤسسة تعليمية، بل أصبحت شريكًا في بناء اقتصاد المعرفة وتنمية رأس المال البشري.
كما أسهم نظام الجامعات في تعزيز الاستقلالية المسؤولة والحوكمة، وتمكين الجامعات من بناء شراكات أكثر فاعلية، وتنويع مصادر التمويل، واستثمار إمكاناتها بصورة تحقق أثرًا أكبر. وتكامل ذلك مع منظومة البحث والتطوير والابتكار التي ربطت البحث العلمي بالأولويات الوطنية، بحيث تصبح المعرفة وسيلة لتطوير التقنيات، ومعالجة التحديات، ودعم القطاعات المستقبلية.
وتملك المملكة اليوم رصيدًا مهمًا من الأصول العلمية؛ من جامعات حديثة، ومعامل متقدمة، ومراكز بحثية، ومستشفيات جامعية، وبنى رقمية، وقواعد بيانات، وكفاءات وطنية مؤهلة. وهذه الأصول لا تكمن قيمتها في وجودها فقط، بل في قدرتها على إنتاج أثر يتجاوز حدود الجامعة إلى الاقتصاد والمجتمع.
ويمنح الذكاء الاصطناعي هذه المنظومة فرصة جديدة؛ فهو لا يسرّع البحث والاكتشاف فقط، بل يساعد على تحليل البيانات، وتحديد الأولويات، وقياس الأثر، وربط المعرفة باحتياجات القطاعات المختلفة. وبذلك يصبح أداة لتعظيم قيمة الجامعة، وليس مجرد مجال أكاديمي جديد.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي لم يعد في امتلاك الموارد؛ فالمملكة بنت خلال العقود الماضية قاعدة علمية ومؤسسية مهمة. التحدي هو كيفية تحويل هذه الموارد إلى أثر وطني متراكم. فالمعمل لا يحقق أثره بمجرد وجوده، والبحث لا يكتمل أثره بمجرد نشره، والشراكة لا تصبح استراتيجية بمجرد توقيعها؛ وإنما تتحقق القيمة عندما تتحول هذه العناصر إلى ابتكار وحلول وفرص تخدم الوطن.
ومن هنا يظهر مفهوم تعظيم القيمة الجامعية؛ بوصفه انتقالًا من إدارة الموارد إلى إدارة الأثر، ومن التركيز على حجم النشاط إلى قياس ما تولده الجامعة من منفعة وطنية مستدامة.
ولا يتحقق ذلك بزيادة الموارد فقط، فالكثير من الجامعات تمتلك إمكانات كبيرة، لكن الفارق الحقيقي يظهر في قدرتها على تحويل هذه الإمكانات إلى أثر. ولذلك تحتاج المرحلة المقبلة إلى تغيير طريقة النظر إلى الجامعة؛ من مؤسسة تُدير مدخلاتها إلى مؤسسة تُحسن إنتاج القيمة من كل مورد تمتلكه.
ويبدأ ذلك بإعادة تعريف مؤشرات النجاح الجامعي. فعدد الأبحاث، والبرامج الأكاديمية، والاتفاقيات، تظل مؤشرات مهمة، لكنها لا تكفي وحدها. والسؤال الأكثر أهمية هو: ماذا غيّرت هذه الإنجازات؟
فالبحث العلمي تكتمل قيمته عندما يتحول إلى تقنية أو حل، والبرنامج الأكاديمي تزداد قيمته عندما يبني كفاءات يحتاجها الاقتصاد، والشراكة تصبح ذات أثر عندما تنتج ابتكارًا أو فرصة استثمارية أو قيمة مجتمعية.
كما يتطلب تعظيم القيمة إعادة توظيف الأصول الجامعية، وفي مقدمتها المعامل والمراكز البحثية والبنية الرقمية والكفاءات البشرية، باعتبارها منصات وطنية لإنتاج المعرفة والحلول، لا مجرد مرافق تشغيلية. فالجامعة التي تمتلك مختبرات متقدمة لا تحقق كامل قيمتها إلا عندما تتحول مخرجات هذه المختبرات إلى تطبيقات تخدم المجتمع والاقتصاد.
ويمثل الذكاء الاصطناعي عنصرًا محوريًا في هذا التحول؛ فهو يتيح للجامعات الانتقال إلى مرحلة أكثر دقة في إدارة المعرفة واتخاذ القرار. فمن خلال تحليل البيانات يمكن تحديد المجالات البحثية ذات الأولوية، وقياس أثر المشاريع العلمية، وربط الباحثين بالتحديات الوطنية، وتوجيه الاستثمارات نحو المجالات الأكثر قدرة على إنتاج قيمة مستقبلية.
كما تحتاج المرحلة المقبلة إلى علاقة مختلفة بين الجامعة والقطاعات المختلفة؛ فالشراكات لا ينبغي أن تقاس بعدد مذكرات التفاهم، وإنما بما تنتجه من تقنيات، وشركات ناشئة، وحلول صناعية، وكفاءات مرتبطة باحتياجات السوق.
وعندما تصبح هذه الفلسفة جزءًا من إدارة الجامعة، فإن كل عنصر فيها يتحول إلى مصدر للقيمة؛ فالطالب يصبح استثمارًا في رأس المال البشري، والباحث يصبح محركًا للابتكار، والمختبر يصبح منصة للحلول، والمعرفة تصبح أصلًا استراتيجيًا يخدم مستقبل الوطن.
وهذا التحول يتطلب قيادة جامعية ترى الجامعة منظومة وطنية للإنتاج المعرفي، لا مجرد مؤسسة أكاديمية؛ قيادة تربط بين القرار الجامعي والأولويات الوطنية، وبين الاستثمار العلمي والعائد التنموي.
إن تعظيم القيمة الجامعية لا يعني تغيير رسالة الجامعة أو التخلي عن وظائفها الأساسية، بل إعادة توجيه هذه الوظائف نحو أثرها الأوسع. فالتعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع ستظل جوهر عمل الجامعة، لكن معيار النجاح في المرحلة المقبلة سيكون مقدار القيمة التي تنتجها هذه الوظائف للوطن.
ولهذا فإن الجامعة التي ستقود المستقبل في المملكة ليست بالضرورة الجامعة الأكبر حجمًا أو الأكثر إنفاقًا، وإنما الجامعة الأكثر قدرة على تحويل مواردها إلى أثر، ومعرفتها إلى حلول، وإمكاناتها إلى قيمة وطنية مستدامة.
فالمرحلة القادمة لا تحتاج فقط إلى جامعات منتجة للمعرفة، بل إلى جامعات مولدة للقيمة الوطنية؛ جامعات تكون شريكًا رئيسًا في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، وصناعة مستقبل الاقتصاد المعرفي.