صالح الشادي
يشتق مصطلح «العنتريات» من سيرة عنترة بن شداد، ذلك الفارس والشاعر الجاهلي الذي تحولت بطولاته في الوعي الجمعي إلى أسطورة مبالغ فيها، تخلط بين الحقيقة والخيال وتعظم من شأن القوة الخارقة لشيء قد لا يكون له في الأصل ذلك الوجود. غير أن هذا المصطلح وجد طريقه إلى التحليل السياسي المعاصر ليصف بدقة متناقضة ظاهرة معقدة تعج بها الساحة الدولية، وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط، حيث تتداخل حركات الميليشيات المسلحة، وأنظمة الحكم المارقة، والنفوذ الاستعماري الجديد، وهيمنة القوى الكبرى، لتشكل جميعها نسيجاً من العنف والسيادة الهشة التي لا ترتبط برفاهية الشعوب أو ازدهار الأوطان بقدر ما ترتبط بمصالح ضيقة لأيديولوجيات غريبة أو طغم مسلحة.
تتجلى أخطر ملامح هذه الظاهرة في تحول الميليشيات المسلحة إلى ما يشبه الدولة الموازية التي تشارك الدولة الرسمية في السيادة وتنازعها الشرعية. ففي العراق، استغلت إيران فراغ السلطة بعد سقوط نظام صدام لتكرس نفوذها عبر ميليشيات تسيطر على مفاصل القرار، وفي لبنان برز «حزب الله» كدولة داخل الدولة يحتكر قرار الحرب والسلم، بينما أنتج الحوثيون في اليمن سلطة أمر واقع تحت غطاء ديني طائفي. وهنا تكمن المعضلة الأعمق، وهي ما يمكن تسميته بدولنة الميليشيات، حيث تتحول هذه التنظيمات من كيانات مؤقتة إلى مؤسسات شبه رسمية، تظل محتفظة بولاءاتها العابرة للحدود، فتتعايش الدولة مع قوة مسلحة تمتلك من النفوذ ما يكفي لتقويض أي مشروع وطني جامع، وتتحول الشرعية فيها من القانون إلى منطق السلاح. وإلى جانب ذلك، يبرز مفهوم «الدولة المارقة» كأداة تصنيف سياسي تطلقه الولايات المتحدة وحلفاؤها على الدول التي تعتبرها تهديداً للسلام، مثل إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا سابقا، رغم أن هذا المصطلح يفتقر إلى تعريف قانوني دولي ثابت ويظل خاضعاً للمزاج السياسي الأمريكي ومصالحه، مما يضفي على الظاهرة مزيداً من الارتباك والازدواجية في المعايير الدولية.
على الجانب الآخر من المعادلة، لا تقتصر «العنتريات» على الجماعات المسلحة أو الدول المارقة، بل تمتد لتشمل ممارسات الاستعمار الجديد في أفريقيا، حيث تستغل الحكومات الصغيرة التابعة لدول استعمارية سابقة، أو الجماعات المسلحة النافذة، موارد القارة الهائلة من مناجم وثروات طبيعية دون أن تعود بالفائدة على المواطنين، مما يبقي تلك المجتمعات في حالة اعتماد مزمنة تكرس دائرة الفقر والصراع. وفي الوقت ذاته، تمارس بعض القوى الكبرى، هيمنتها العسكرية والاقتصادية لفرض قوانينها وآرائها على الدول الضعيفة، كما حدث مؤخراً في يناير 2026 حين نفذت امريكا توغلاً عسكرياً في فنزويلا اختطفت خلاله رئيسها، في مشهد يعيد إنتاج كتيب السيطرة الإمبريالية القديم، ويؤكد أن القوة العسكرية تظل أداة الفعل السياسي الأول متى تعذر تحقيق الأهداف بالسبل الدبلوماسية.
إن تداعيات هذه الظاهرة على المجتمعات واستقرارها كارثية بلا شك، فهي تعمل على تآكل فكرة الدولة الوطنية ذات السيادة، وتفقد مؤسساتها قدرتها على أداء مهامها الأساسية، فتتحول الشرعية من القانون إلى السلاح، وتصبح الفوضى هي اللغة السائدة، كما حصل في سياق ما بعد ما سمي بالربيع العربي حين استغلت الميليشيات حالة السيولة لتعزيز نفوذها. وتؤدي هذه البيئة المشحونة بالعنف إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، حيث تمارس الميليشيات المدعومة إقليمياً عمليات قتل واستهداف للصحفيين والناشطين، وتدير سجوناً سرية تخلق مناخاً من الرعب يمنع أي نهضة ديمقراطية حقيقية، إضافة إلى تقويض التنمية الاقتصادية عن طريق نهب الموارد وتوجيه عوائدها لتمويل الصراعات بدلاً من الاستثمار في البنى التحتية والتعليم والصحة.
لفهم أعمق لهذه الظاهرة، لا بد من الغوص في تحليلها النفسي والاجتماعي، فالدراسات تشير إلى آليات معقدة تحول الأفراد العاديين إلى أدوات عنف في خدمة الجماعات المسلحة، حيث يؤدي الخوف وعدم الأمان في أوقات الأزمات إلى تفعيل آلية دفاعية بدائية تصنف العالم إلى معسكرين متناقضين، وتلغي المساحات الرمادية وتحول المختلف إلى عدو وجودي يستحق الإقصاء. يعزز هذا التحول ما وصفه ألبرت باندورا بآليات «فصل الأخلاق»، إذ يعيد المقاتل توصيف الفعل العنيف بأنه حماية للوطن، ويلقي اللوم على الضحية، وينزع عنها إنسانيتها، فتتحول إلى شيء يجب التخلص منه بلا شعور بالذنب.
أما على المستوى الاجتماعي، فتخلق هذه الجماعات بيئات مغلقة يقترن فيها البقاء بالولاء المطلق، ويصبح أي شك داخلي علامة على الخيانة، مما ينتج فرداً مستعداً للتضحية بكل الروابط الأسرية والإنسانية في سبيل بقاء الجماعة، وهذا ما يفسر تكرار نماذج «الشبيح» وولاءاتها العمياء في سياقات عربية متعددة، فهي ليست وليد لحظة عابرة، بل نتاج بنى سلطوية توظف الخوف والعنف لتفكيك النسيج الاجتماعي. ومن جهة أخرى، تكشف دراسة ظواهر مثل «الجنجويد» في السودان أن هذه الميليشيات ليست مجرد فصائل عابرة، بل هي نتاج تهميش واحتقان تاريخي متراكم، وتعبير عن أزمات اجتماعية وسياسية عميقة تغذت لعقود، مما يحتم النظر إليها كنتاج لبنى اقتصادية واجتماعية ظالمة وليس كمجرد شر مستورد.
ومواجهة هذه الظاهرة المتشعبة تتطلب مقاربة شاملة لا تقل تعقيداً عنها، تبدأ بإعادة بناء الدولة الوطنية القادرة على احتكار استخدام القوة الشرعي وحل الميليشيات وتقوية الجيش والشرطة، كما يدعو العديد من القادة الوطنيين، مع ضرورة تنفيذ عمليات نزع سلاح حقيقية يقترن بها مشاريع مصالحة وطنية تدمج المقاتلين السابقين في المؤسسات الرسمية وتعالج المظالم التاريخية التي غذت الصراع، إضافة إلى تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي لمواجهة أشكال الاستعمار الجديد وحماية السيادة على الموارد الطبيعية. ولا يمكن إغفال البعد النفسي والاجتماعي في هذه المواجهة، والذي يستوجب استثماراً حقيقياً في التعليم النقدي الذي ينمي التفكير المستقل ويرسخ قيم التسامح، وإنشاء مؤسسات عدالة انتقالية تعالج جرائم الماضي، وخلق فرص اقتصادية حقيقية تشكل بديلاً جذاباً عن الانخراط في ثقافة العنف، فضلاً عن تجفيف منابع خطابات الكراهية والتحريض الطائفي. كما أن إصلاح النظام الدولي نفسه بات ضرورة ملحة، لكي تصبح المؤسسات الدولية أكثر عدالة وتمثيلاً، وتتوقف عن استعمال مصطلحات مثل «الدول المارقة» كأدوات للوصم السياسي، وتُسن تشريعات تحد من هيمنة القوى الكبرى على موارد الدول الفقيرة وتجبرها على احترام سيادتها.
في المحصلة، ليست ظاهرة «العنتريات» مجرد فوضى عابرة أو أزمة أمنية طارئة، بل هي تجسيد لتحولات بنيوية في مفهوم السيادة والسلطة في عالم ما بعد الاستعمار، تتداخل فيها العوامل الداخلية من انهيار مؤسسي وانقسامات هوياتية مع تدخلات إقليمية ودولية، واستمرار أنماط اقتصادية غير عادلة. والطريق إلى تجاوزها طويل وشاق، لكنه يبدأ بإدراك أن حل هذه المعضلة لا يمكن أن يكون عسكرياً أو أمنياً فقط، بل يجب أن يكون مشروعاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً متكاملاً يعيد للدولة دورها الحامي للجميع، وللمواطن كرامته وحقه في العيش بسلام وازدهار، وإلا فإن المنطقة ستظل أسيرة لدورات العنف التي لا تنتهي، وستتوالى القصص المبالغ فيها عن البطولة والبطش، دون أن يتحقق للأوطان ما تستحقه من رفاهية واستقرار.