حمد عبد العزيز الكنتي
ليست قوة الدول فيما تملكه من إمكانات فحسب، بل في قدرتها على أن تروي قصتها للعالم كما هي؛ بصدق، وهدوء، وثقة، وفي زمنٍ تتسابق فيه المنصات لنقل الخبر، يظل الصوت الأكثر تأثيرًا هو ذلك الذي يقرأ الحدث بعمق، ويمنح المتلقي فهمًا يجعل الإعلام الوطني شريكًا في صناعة الصورة الذهنية للوطن، لا مجرد ناقلٍ لأحداثه.
ومنذ تأسيس المملكة العربية السعودية وحتى يومنا هذا، ظل المشهد الإعلامي السعودي يتسم بالهدوء والاتزان، مستلهمًا نهجه من حكمة القيادة الرشيدة التي أرست قيم التؤدة، وحسن التعامل مع مختلف الأحداث والمتغيرات، وهي قيم لم تكن مجرد ممارسات إعلامية، بل انعكاسًا لمدرسة قيادية جعلت الحكمة أساسًا في إدارة المواقف، والثبات منهجًا في مواجهة التحديات.
فنحن نعيش في وطنٍ عظيم، تقوده قيادة عظيمة بحكمتها وحنكتها، وتقود دولةً تمتد على مساحة قارة، تتوسط ثلاث قارات، وتتمتع بموقعٍ استراتيجي منحها حضورًا عالميًا مؤثرًا، وجعلها لاعبًا رئيسًا في المشهدين الإقليمي والدولي.
ويتجلى هذا الحضور في شعور الفخر الذي يحمله كل سعودي بقيادته، وفي الاعتزاز بما تحقق لهذا الوطن من منجزات، حتى أصبحت المملكة نموذجًا يُنظر إليه باحترام، وتُتابَع خطواته باهتمام، وتُقرأ تجاربه كمصدرًا للإلهام في مجالات متعددة.
وحين أطلق سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- رؤية المملكة 2030، دخلت السعودية مرحلةً جديدة من تاريخها؛ مرحلة انتقلت فيها من صناعة الإنجازات إلى صناعة التحولات الكبرى، فأصبحت حديث العالم بمشروعاتها النوعية، ومبادراتها غير المسبوقة، ورؤيتها الطموحة التي أعادت رسم ملامح المستقبل.
ولم يعد الاهتمام العالمي بالمملكة مقتصرًا على مكانتها السياسية والاقتصادية، بل امتد إلى متابعة تفاصيل التحول الوطني الذي تشهده مختلف القطاعات، من خدمات الحج والعمرة، وجودة الحياة، والصناعة، والتعدين، والتقنية، وصولًا إلى الحوكمة والتشريعات التي عززت الاستدامة، ورسخت مكانة المملكة كنموذجًا تنمويًا يُقتدى به عالميًا
ومع هذا الحضور العالمي المتصاعد، برزت القنوات الإخبارية السعودية، مثل العربية والشرق والإخبارية، بوصفها منصات إعلامية نجحت في نقل المشهد السعودي بمهنية واحترافية، حتى أصبحت مصادر موثوقة تعتمد عليها وكالات أنباء وقنوات ومواقع إخبارية حول العالم، لأنها تنقل الخبر برؤيةٍ واضحة، ومصداقيةٍ عالية، وفهمٍ عميق لمجريات الأحداث.
وفي ظل النهضة التقنية التي تعيشها المملكة، وما حققته مُدنها من حضورٍ مُتقدم في مؤشرات المدن الذكية، وما تبنته من تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتعزيز جودة الحياة، شهد الإعلام السعودي بدوره تحولًا نوعيًا في أدواته وأساليبه، متماشيًا مع هذا الحراك الوطني المتسارع.
ولأن منصة X أصبحت اليوم واحدة من أهم المجالس الرقمية التي يُتابع السعوديون عبرها الأخبار ويتبادلون وجهات النظر حولها، فقد برزت فيها أسماء إعلامية استطاعت أن تكسب ثقة الجمهور بقدرتها على تحليل الخبر، وقراءة أبعاده، وتقديمه في سياقه الصحيح، ومن بين هذه الأسماء يبرز الصحفيان «مالك الروقي، وعبدالله البندر»، اللذان قدما نموذجًا يستحق التأمل، لكونه امتدادًا لمدرسة إعلامية سعودية جديدة، تجمع بين المهنية، والوعي، والمسؤولية.
ولأن الثقة تُبنى مع الأيام عبر تراكم المصداقية وجودة الطرح، فقد استطاع الصحفي مالك الروقي أن يصنع لنفسه حضورًا لافتًا على منصة X، حتى بات حسابه بالنسبة لكثير من المتابعين نافذةً يومية لفهم ما يجري في المنطقة والعالم
فهو لا يكتفي بنقل الأخبار المحلية والعربية والدولية، بل يحرص على تحليلها وتفكيك أبعادها، وتقديمها بلغة واضحة ومبسطة تجعل القارئ أكثر قدرة على استيعاب المشهد العام، بعيدًا عن الضجيج الذي يرافق الأحداث المتسارعة، ومن خلال وسومه المعروفة، مثل: (جولة اليوم) و (ما يُفهم حتى الآن)، استطاع أن يُرسِّخ أسلوبًا إعلاميًا يجمع بين سرعة الوصول إلى المعلومة وعمق قراءتها، وهي معادلة لا تتحقق بسهولة في زمن الإعلام الرقمي.
ولم يتوقف حضوره عند حدود المنصة، بل امتد إلى البرامج الحوارية والبودكاست، حيث واصل تقديم قراءاته السياسية للأحداث الدائرة في المنطقة، متناولًا ملفات مُعقدَّة بلغة هادئة، وأسلوب يوازن بين المعلومة والتحليل.
وقد تجلى ذلك في حلقات تناولت السياسة السعودية، والاعتراف بالدولة الفلسطينية، والأزمة السورية، وتطورات اليمن، والصراع في السودان، وغيرها من القضايا التي شغلت الرأي العام، مقدمًا للمشاهد قراءة تُساعده على فهم خلفيات الأحداث، وعدم البقاء عن عتبة حيرة العناوين!
كما انعكس هذا النهج في برامجه التلفزيونية، وفي مقدمتها (السطر الأوسط)، الذي وثق من خلاله محطات مفصلية في تاريخ المنطقة، وأبرز أدوار المملكة في كثير من ملفاتها السياسية، بأسلوب يحترم عقل المشاهد، ويبتعد عن الإثارة، ويمنح الوقائع حقها من الشرح والتحليل والتخليد
ويبرز كذلك برنامجه الرمضاني (مالك بالطويلة)، الذي بلغ موسمه الثامن، ليؤكد أن المحتوى التاريخي الرصين ما زال قادرًا على جذب الجمهور متى ما قُدِّم بأسلوب شيّق مبني على الأدلة، ففي دقائق معدودة، يختزل البرنامج أحداثًا وشخصيات وقصصًا صنعت التاريخ، ويُقدمها في قالب معرفي يُوازن بين الإيجاز والعمق.
وفي المقابل، يقدم الصحفي عبد الله البندر تجربة إعلامية لا تقل تميزًا عبر حضوره على منصة X، يواصل متابعة الأحداث المحلية والإقليمية والدولية باهتمام واضح، مستندًا إلى المصادر الرسمية، وبيانات الجهات المعنية، مع حرصه على إبراز المنجزات الوطنية التي تتحقق في مختلف القطاعات، ليُقدم محتوى يجمع بين الخبر، والسياق، والموثوقية.
ولم يقتصر حضوره على المنصات الرقمية، بل امتد إلى الشاشة التلفزيونية عبر برنامج (مخيال)، الذي تميز بنوعية ضيوفه، وبحواراته الهادئة، وسرده المتوازن الذي انصرف إلى صناعة المعرفة أكثر من مُلاحقة الإثارة، وهو ما جعله تجربة إعلامية مختلفة، تُراهن على قيمة الفكرة، وتمنح الضيف المساحة الكافية ليُقدم رؤيته بعمق وشمول وبساطة للمُتلقي.
واستمرارًا لهذا النهج، انتقل إلى تقديم برنامج (المسافة صفر) عبر (شبكة شاشا الكويتية)، مواصلًا اهتمامه بتحليل قضايا المنطقة، وقراءة أسبابها، واستشراف مساراتها، بأسلوب يشرح الوقائع، ويربط بين معطياتها، ويقدم للمشاهد صورة أكثر اكتمالًا عن مستقبل الخليج والمنطقة.
وربما تكمن أكثر الرسائل أهمية في تجربة الرجلين في أنهما، رغم ما حققاه من حضور وتأثير، لم يغادرا هويتهما الأولى؛ فما زال لقب (صحفي) يتقدم كل ألقابهما، وكأنهما يؤكدان أن الصحافة الأصل الذي تُبنى عليه جميع أشكال العمل الإعلامي، فمنها تبدأ الحكاية، وإليها يعود كل من آمن بمسؤولية الكلمة، وعِظَم تأثيرها
وما يُلفت النظر أيضًا أن الهدوء أصبح سِمَة مُشتركة في حضورهما الإعلامي؛ فبرغم تناولهما أكثر الملفات سخونة، فإنهما يقدمان طرحهما بثقة واتزان، ويتركان للمعلومة قوتها، وللحجة أثرها، بعيدًا عن الانفعال أو الانجرار إلى السجالات التي لا تُضيف إلى وعي المتلقي شيئًا.
ولعل هذا الهدوء هو أحد أسرار حضورهما؛ لأنه يعكس نضجًا مهنيًا، واحترامًا لعقول الجمهور، وإيمانًا بأن الإعلام الحقيقي يقاس بقدرته على بناء الثقة وترسيخ المعرفة، ليكون بذلك انعكاس لنضجٍ مهني، وثقةٍ بالنفس، وإيمانٍ بأن الإعلام الحقيقي يقاس بقدرته على بناء الثقة، وترسيخ الفهم، والمحافظة على مصداقية الكلمة.
ولهذا أصبحت صفحاتهما على منصة X وجهةً لملايين الباحثين عن الخبر الصحيح، والتحليل المُتزن، والمعلومة التي تستند إلى مصادرها الصحيحة، في زمنٍ أصبحت فيه الشائعة تنتشر بسرعة، بينما تبقى الحقيقة بحاجة إلى من يُقدمها بمسؤولية ووعي.
إن ما يُقدمه هذان الصحفيان يعكس صورة جيلٍ كامل من الشباب السعودي الذي أُتيحت له فرص التعليم، والتمكين، والعمل، فاستثمرها بالطريقة الأفضل، ليُقدِّمَ نماذج مشرقة في مختلف المجالات، ومنها الإعلام.
لقد آمنت القيادة الرشيدة بالشباب، وفتحت أمامهم آفاقًا واسعة للإبداع، فكانت النتيجة ظهور كفاءات وطنية استطاعت تمثيل المملكة بأفضل صورة، وتقديم خطابًا إعلاميًا يواكب مكانتها المتنامية إقليميًا ودوليًا، ومن بين هذه النماذج المُشرِّفَة تبرز تجربة مالك الروقي وعبد الله البندر، بما تحمله من مهنية، واتزان، وإحساس عالٍ بالمسؤولية تجاه الوطن وقضاياه.
وقد سنحت لهما الفرصة للحديث عن جانبٍ من هذه الرحلة في لقاءات (المقهى الصحفي) ببيت الثقافة في الرياض، وهي لقاءات كشفت شيئًا من مسيرتهما المهنية، وأصبحت مصدر إلهام لكثير من أبناء وبنات الوطن الراغبين في خوض طريق الإعلام والصحافة.
أما على المستوى الإنساني، فإن أكثر ما يثير الإعجاب فيهما هو دماثة أخلاقهما، وقُربهما من الناس، وتفاعلهما مع من يستحق، واستعدادهما لتقديم المساعدة متى ما استطاعا، وهي صفات تُضفي على نجاحهما المهني بُعدًا إنسانيًا يزيده رُسوخًا في نفوس من يُتابعونهما.
وفي الوقت نفسه، يواصلان تقديم القصة السعودية، وتسليط الضوء على المشهدين السياسي والمحلي والدولي بلغةٍ هادئة، وأسلوبٍ رصين، يعكس أخلاق المجتمع السعودي، ويُجسِّد صورة المواطن القادر -متى ما أُتيحت له الفرصة- على المنافسة، والتميّز، وصناعة الأثر.
ولعل أجمل ما في هذه التجربة أنها تؤكد أن الإعلام تصنعه عمق الفكرة، ولا تبنيه الإثارة، بل المصداقية، ولا تحفظ مكانته كثرة المتابعين، بل الثقة التي يزرعها في عقول الناس، وحين ينجح الإعلامي في أن يجعل جمهوره يستعين به لفهم الخبر يكون بذلك قد أسهم في ترسيخ وعيٍ وطني يليق بمكانة المملكة، ويواكب حضورها المتنامي على الساحة الدولية.
وفي زمنٍ يُتنافس فيه على تشكيل الوعي، تبقى المملكة بحاجة إلى أصواتٍ تعرف كيف تنقل الحقيقة بهدوء، وتقرأ الأحداث بعمق، وتكتب الوطن كما هو؛ بثقة، ومسؤولية، وإخلاص، ولعل تجربة مالك الروقي وعبدالله البندر تُمثل أحد النماذج التي تعكس هذا التحوَّل، وتُجسِّد ملامح الإعلام السعودي الذي ينمو بثبات، ويواكب طموحات وطنٍ لا يعرف المستحيل.