صبحي شبانة
إن قراءة السلوك الإيراني اليوم لا ينبغي أن تقتصر على متابعة العمليات العسكرية أو تبادل الضربات، بل يجب أن تمتد إلى ما وراء ذلك؛ إلى الطريقة التي تفكر بها طهران في اليوم التالي للحرب، وإلى الكيفية التي تسعى بها إلى تعويض ما قد تكون فقدته من أوراق القوة والنفوذ،
فالقيادة الإيرانية لا تنظر إلى الصراع باعتباره مواجهة عسكرية عابرة، بل تعتبره معركة طويلة لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، ومن هنا تبدو التحركات الأخيرة، سواء في البحر الأحمر أو في شمال الخليج العربي، وكأنها أجزاء من لوحة واحدة، هدفها إنتاج معادلات ردع جديدة، بعدما أصبحت بعض أدوات الضغط التقليدية أقل فاعلية مما كانت عليه في السابق.
لقد شكّل مضيق هرمز طوال العقود الماضية أهم أوراق القوة الإيرانية، ولم يكن المضيق مجرد ممر بحري تعبر منه ناقلات النفط، بل كان رمزاً لمعادلة سياسية رسختها طهران في علاقاتها مع العالم، مفادها أن أي تهديد لأمنها سيقابله تهديد مباشر لأمن الطاقة العالمي، لذلك ظل اسم هرمز حاضراً في كل أزمة، وتحول إلى أحد أهم عناصر الردع التي استخدمتها إيران في إدارة مفاوضاتها مع أمريكا، وفي مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية، غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذه الورقة بدأت تفقد كثيرًا من قدرتها على التأثير والردع، فكلما اشتدت الضغوط العسكرية واتسعت رقعة المواجهة، تراجعت قدرة إيران على توظيف هرمز باعتباره أداة ضغط حصرية، وهو ما دفعها على ما يبدو إلى البحث عن بدائل جغرافية وسياسية تمنحها هامشاً جديداً للمناورة.
من هنا يمكن فهم التصعيد المتزايد في البحر الأحمر، ومحاولات الحوثيين تهديد الملاحة الدولية، بوصفها أكثر من مجرد تضامن مع إيران أو امتداد للحرب الدائرة، فالمشهد يوحي بأن طهران تعمل على تحويل باب المندب إلى ورقة استراتيجية موازية لهرمز، بما يسمح لها بالاحتفاظ بقدرتها على التأثير في حركة التجارة العالمية حتى لو تقلصت قدرتها على استخدام المضيق الأول، إن أهمية باب المندب لا تقل عن أهمية هرمز في الاقتصاد العالمي، فهو أحد أهم شرايين التجارة البحرية، وتعبره سنوياً آلاف السفن التي تنقل الطاقة والبضائع بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وأي اضطراب طويل الأمد في هذا الممر ستكون انعكاساته عالمية، ولن تقتصر على الدول المطلة عليه، ولذلك فإن التعامل مع تهديدات الحوثيين لا ينبغي أن يقتصر على بعدها اليمني أو العسكري، بل يجب النظر إليها باعتبارها جزءاً من استراتيجية إيرانية أوسع لإعادة إنتاج أدوات الضغط الجيوسياسي، وفي الوقت نفسه لم تكتف طهران بالتحرك جنوباً بل فتحت جبهة جديدة في شمال الخليج العربي من خلال تصاعد التهديدات تجاه الكويت في تطور لافت يستحق التوقف عنده، فالكويت ليست طرفاً مباشراً في المواجهة، كما أن الوجود العسكري الأميركي على أراضيها ليس جديداً، بل يعود إلى عقود طويلة، ويؤدي في الأساس وظيفة ردعية واستقراراً أمنياً في المنطقة، ومع ذلك، شهدت وسائل إعلام ومؤسسات إيرانية وفي مقدمتها وكالة تسنيم تصعيداً غير مسبوق في خطابها تجاه الكويت مستخدمة لغة تستحضر في بعض جوانبها أجواء الأزمات التي سبقت غزو الكويت عام 1990.
قد يكون من المبالغة عقد مقارنات تاريخية مباشرة بين الحالتين، لكن التشابه يكمن في استخدام الخطاب الإعلامي لتبرير احتمالات التصعيد وإعادة إنتاج سرديات تمنح أي تحرك عسكري غطاءً سياسياً أو أمنياً، والسؤال هنا ليس: لماذا الكويت؟ بل: لماذا الآن؟، الإجابة تبدو مرتبطة بطبيعة الاستراتيجية الإيرانية أكثر من ارتباطها بالكويت نفسها، فطهران تدرك أن توسيع دائرة القلق داخل مجلس التعاون الخليجي يحقق لها هدفين في آن واحد، الأول نقل جزء من الضغوط إلى دول الجوار، والثاني توجيه رسالة إلى واشنطن وحلفائها بأن أي مواجهة مع إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها، وإنما ستطال البيئة الإقليمية بأكملها، إنها محاولة لتغيير معادلة الردع وتحويل أمن الخليج إلى جزء من تكلفة أي تصعيد ضد إيران، غير أن هذه المقاربة تصطدم اليوم بواقع إقليمي مختلف تماماً عما كان عليه قبل عقود.
إن دول الخليج لم تعد مجرد دول مصدرة للطاقة، بل أصبحت مراكز استثمارية وتجارية ومالية كبرى وترتبط مشاريعها التنموية باستقرار البيئة الإقليمية وفي مقدمتها رؤية المملكة 2030، التي تقوم على جعل المنطقة فضاءً للاستثمار والتنمية، لا ساحة للصراعات المفتوحة، ومن هنا فإن أي تهديد للممرات البحرية أو لاستقرار دول الخليج لم يعد شأناً إقليمياً فحسب، بل أصبح قضية تمس مصالح الاقتصاد العالمي بأسره، الصين تعتمد بصورة متزايدة على هذه الممرات في تجارتها الخارجية، والهند ترى فيها شرياناً حيوياً لاقتصادها المتنامي، بينما ترتبط الأسواق الأوروبية ارتباطاً وثيقاً باستمرار انسياب التجارة والطاقة عبر البحر الأحمر والخليج العربي، ولهذا فإن أي محاولة لتحويل باب المندب إلى أداة ابتزاز سياسي ستصطدم على الأرجح بإرادة دولية أوسع مما واجهته إيران في مراحل سابقة.ولا يقتصر الأمر على الولايات المتحدة رغم أن أمن الخليج والبحر الأحمر يدخل ضمن أولوياتها الاستراتيجية، وإنما يمتد إلى قوى دولية أخرى قد تختلف مع واشنطن في ملفات كثيرة، لكنها تتفق معها في ضرورة حماية حرية الملاحة ومنع تهديد سلاسل الإمداد العالمية.
ومن هنا، فإن الرد المتوقع على أي تصعيد في باب المندب لن يكون عسكرياً فقط بل سيأخذ أبعاداً سياسية ودبلوماسية واقتصادية واسعة لأن القضية لم تعد مرتبطة بحرب إقليمية وإنما بأحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام التجاري الدولي، لكن ذلك لا يعني التقليل من خطورة المرحلة، فالقيادة الإيرانية تواجه في الوقت نفسه تحديات داخلية معقدة، وهي تدرك أن أي انطباع بالهزيمة قد ينعكس على تماسكها الداخلي بعد سنوات طويلة من الاستثمار السياسي والعسكري في بناء شبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء وإنفاق موارد ضخمة على مشروعها الإقليمي، ولهذا فإن اللجوء إلى فتح جبهات جديدة قد لا يكون مجرد خيار عسكري، بل أيضاً ضرورة سياسية داخلية تسمح للنظام بإظهار أنه لا يزال يمتلك زمام المبادرة، وأنه قادر على نقل المواجهة إلى ساحات مختلفة، وقد أثبتت التجربة أن إيران تلجأ كلما فقدت ورقة استراتيجية إلى إنتاج ورقة أخرى فهي لا تتراجع بسهولة وإنما تعيد توزيع أدواتها مستفيدة من شبكة الوكلاء التي بنتها خلال العقود الماضية وفي مقدمتهم الحوثيون في اليمن وبعض الفصائل المسلحة في العراق ولبنان، وهذه المقاربة تجعل الصراع أكثر تعقيداً، لأنها تتيح لطهران ممارسة الضغط دون الانخراط المباشر في مواجهة واسعة، بما يقلل من الكلفة السياسية والقانونية، ويمنحها في الوقت نفسه مساحة للإنكار أو المناورة.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية ليس مضموناً، فالمشهد الإقليمي لم يعد كما كان، وأصبحت دول المنطقة أكثر إدراكاً لطبيعة المخاطر العابرة للحدود، كما بات المجتمع الدولي أكثر حساسية تجاه أي تهديد يمس الممرات البحرية أو يعطل حركة التجارة العالمية، ولهذا فإن بناء جبهة إقليمية متماسكة مدعومة بتحالف دولي واسع لم يعد خياراً سياسياً يمكن تأجيله بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة، ولا ينبغي أن يقتصر هذا التحالف على البعد العسكري بل يجب أن يشمل التنسيق السياسي والتعاون الاستخباراتي وأمن الممرات البحرية والدبلوماسية الوقائية لأن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، وإنما بقدرة الدول على بناء منظومات متكاملة للأمن والاستقرار.
في النهاية، لا يبدو أن السؤال الأكثر أهمية هو: كيف ستنتهي الحرب؟، السؤال الحقيقي هو: أي نظام إقليمي سيولد بعدها؟، فإذا نجحت إيران في تحويل البحر الأحمر وشمال الخليج إلى ساحات دائمة للضغط، فإن المنطقة ستكون أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، تتجاوز حدود المواجهة الحالية، أما إذا نجحت دول المنطقة، بدعم من المجتمع الدولي، في حماية الممرات البحرية، وترسيخ قواعد ردع جماعي تمنع استخدام الجغرافيا كسلاح سياسي، فإن الشرق الأوسط قد يكون أمام فرصة نادرة للانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء منظومة أمن إقليمي أكثر توازناً، ذلك أن المعركة الدائرة اليوم لم تعد مجرد صراع على النفوذ، بل أصبحت معركة على شكل النظام الإقليمي القادم، وعلى القواعد التي ستحكمه، وعلى قدرة دوله على حماية أمنها الجماعي بعيداً عن منطق الفوضى وابتزاز الجغرافيا.