عمرو أبوالعطا
في الزمن العربي الذي تتقاطع فيه الأسئلة الكبرى مع ظلال التاريخ الثقيلة، يظهر اسم المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري كواحدٍ من أكثر العقول انشغالًا بتشريح الخلل الكامن في بنية الفكر والسياسة في العالم العربي. حضور هذا الاسم يتجاوز حدود السيرة الشخصية إلى أفق مشروع فكري واسع سعى إلى تفكيك العقد التاريخية التي عطلت مسار النهضة العربية.
رحل الأنصاري في السادس والعشرين من ديسمبر عام 2024 تاركًا خلفه إرثًا فكريًا كثيفًا يشتبك مع أسئلة الهوية والدولة والثقافة والعقل السياسي. قيمة هذا الإرث تتجلى في قدرة صاحبه على الجمع بين التراث العربي الإسلامي ومناهج التحليل الحديثة، في محاولة لصياغة رؤية تفسيرية تتعامل مع الواقع العربي بوصفه ظاهرة تاريخية معقدة تحتاج إلى قراءة طويلة النفس.
تجربة الأنصاري الفكرية تشكلت في زمن عربي مضطرب، زمن شهد تحولات حادة بدأت مع صدمة النكبة عام 1948 ثم اتسعت مع هزيمة يونيو 1967 وصولًا إلى التحولات الكبرى في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. داخل هذا السياق المضطرب تشكل وعي الأنصاري وتبلورت أسئلته الكبرى حول أسباب العجز التاريخي الذي يلاحق المجتمعات العربية رغم وفرة الإمكانات الثقافية والحضارية. في كتاباته يتعامل مع الفكر بوصفه أداة تشخيص عميقة، إذ يرى أن الأزمة العربية ليست مجرد أزمة سياسية عابرة، وإنما أزمة بنيوية تمتد جذورها إلى بنية العقل ذاته.
ولد محمد جابر الأنصاري في مدينة المحرق البحرينية عام 1939، وهي مدينة ارتبط تاريخها بالحياة البحرية والتجارية في الخليج العربي، الأمر الذي منحها موقعًا خاصًا في التكوين الثقافي للبحرين. نشأ الأنصاري في بيئة تقليدية محافظة تلقى فيها تعليمه الأولي في الكتاتيب حيث حفظ القرآن الكريم، فتشكلت في داخله علاقة مبكرة مع اللغة العربية ونصوصها الكبرى. هذا التكوين الأولي منح مشروعه الفكري لاحقًا قدرة واضحة على التعامل مع النص التراثي بروح تحليلية تستند إلى معرفة لغوية وثقافية عميقة.
انتقل بعد ذلك إلى التعليم النظامي في مدارس البحرين الحديثة، فظهرت ملامح تفوقه الدراسي مبكرًا. سنوات الدراسة الثانوية فتحت أمامه آفاقًا أوسع للاطلاع على الفكر العربي الحديث، خاصة مع انتشار الكتابات القومية والليبرالية في تلك المرحلة. غير أن التحول الأهم في مسيرته الفكرية جاء مع انتقاله إلى بيروت للدراسة في الجامعة الأمريكية، تلك المؤسسة التعليمية التي تحولت خلال النصف الثاني من القرن العشرين إلى فضاء فكري عربي مفتوح تتلاقى فيه التيارات القومية واليسارية والليبرالية.
في بيروت عاش تجربة فكرية غنية تركت أثرًا عميقًا في رؤيته للعالم. حصل هناك على درجة البكالوريوس في الأدب عام 1963 ثم الماجستير في الأدب الأندلسي عام 1966، وبعد سنوات من البحث والدراسة نال الدكتوراه في الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر عام 1979. خلال هذه السنوات الطويلة احتك الأنصاري بنخبة من المفكرين العرب والأساتذة الغربيين، فاطلع على مناهج البحث الحديثة في الفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ الفكري. هذا الاحتكاك المباشر مع المناهج الغربية شكل أحد المكونات الأساسية في مشروعه النقدي اللاحق.
لم يتوقف فضوله المعرفي عند حدود التجربة البيروتية. في بداية الثمانينيات توجه إلى باريس حيث حصل على شهادة في اللغة والحضارة الفرنسية من جامعة السوربون عام 1982. التجربة الباريسية أضافت بعدًا جديدًا إلى تكوينه الفكري، إذ أتاحت له فرصة الاطلاع المباشر على التراث الفلسفي الأوروبي وعلى المناهج النقدية الحديثة في العلوم الإنسانية. منذ تلك اللحظة أخذ مشروعه الفكري يتجه نحو صياغة رؤية تجمع بين المعرفة التراثية العربية والأدوات التحليلية الحديثة.
عاد بعد ذلك إلى البحرين ليبدأ مسيرته المهنية في مجال التعليم. عمل مدرسًا في مدرسة المنامة الثانوية ثم في المعهد العالمي للمعلمين، قبل أن يلتحق بجامعة الخليج العربي أستاذًا للحضارة الإسلامية والفكر المعاصر. في هذه المؤسسة الأكاديمية لعب دورًا مهمًا في تطوير برامج الدراسات العليا، وتولى عمادة كلية الدراسات العليا عام 1994.
إلى جانب عمله الأكاديمي تولى منصب المستشار الثقافي للعاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة منذ عام 1998، وهي تجربة أضافت إلى رؤيته الفكرية بعدًا عمليًا يتعلق بعلاقة الفكر بالسلطة.
المناصب الأكاديمية والاستشارية لم تشغل الأنصاري عن مشروعه الفكري الأساسي. خلال هذه الفترة نشر مجموعة من الكتب التي تحولت إلى مراجع أساسية في دراسة الفكر العربي المعاصر.
من أبرز هذه الكتب تحولات الفكر والسياسة في الشرق العربي، الفكر العربي وصراع الأضداد، العرب والسياسة أين الخلل، انتحار المثقفين العرب، تكوين العرب السياسي، مغزى الدولة القطرية، مساءلة الهزيمة، تجديد النهضة باكتشاف الذات ونقدها. هذه المؤلفات تشكل شبكة تحليلية مترابطة تحاول تفسير الظاهرة العربية في مستوياتها السياسية والثقافية والاجتماعية.
الركيزة المركزية في مشروعه تتمثل في مفهوم التوفيقية، وهو مفهوم حاول من خلاله تفسير حالة التردد التي طبعت الفكر العربي الحديث. يرى الأنصاري أن الثقافة العربية الإسلامية عرفت عبر تاريخها ميلًا واضحًا إلى الجمع بين المتناقضات. هذا الميل ظهر في محاولات التوفيق بين العقل والنقل، وبين الفلسفة والدين، وبين التراث والمعاصرة. في لحظات تاريخية معينة لعبت هذه التوفيقية دورًا إيجابيًا في استيعاب المعارف الجديدة ودمجها في السياق الحضاري الإسلامي.
غير أنه يرى أن هذه التوفيقية تحولت في العصر الحديث إلى عائق بنيوي أمام عملية النهضة. في نظره أخذت التوفيقية طابعًا تلفيقيًا يقوم على الجمع السطحي بين الأفكار المتناقضة دون القدرة على إنتاج تركيب فكري جديد قادر على تجاوز التناقضات. هذا التحول أدى إلى بقاء الفكر العربي في حالة تردد دائم بين نماذج متعارضة دون الوصول إلى لحظة حسم معرفي واضحة.
من هنا صاغ مفهوم اللاحسم بوصفه سمة مركزية في العقل العربي الحديث. اللاحسم يعني في تحليله حالة التردد التي تمنع التيارات الفكرية من اتخاذ مواقف واضحة تجاه القضايا الكبرى. يظهر هذا اللاحسم في الموقف من الحداثة الغربية وفي العلاقة مع التراث وفي طبيعة الدولة السياسية. نتيجة ذلك يتحول الفكر إلى دائرة من النقاشات النظرية التي تتكرر عبر العقود دون أن تتحول إلى مشاريع تاريخية فاعلة.
في كتابه «الفكر العربي وصراع الأضداد» قدم تحليلًا واسعًا للثنائيات التي تحكم الفكر العربي الحديث. تناول العلاقة بين الإسلام والعروبة وبين الدين والدولة وبين الأصالة والمعاصرة وبين الوحدة والتجزئة. يرى أن هذه الثنائيات لم تتحول إلى صراع خلاق يؤدي إلى إنتاج أفكار جديدة، وإنما بقيت في حالة استنزاف متبادل يعطل حركة التطور الفكري.
هذا التحليل قاده إلى نقد دور المثقف العربي في الحياة العامة. في كتابه «انتحار المثقفين العرب» تحدث عن ظاهرة تراجع المثقف عن مواقفه النقدية تحت ضغط السلطة أو المجتمع. يرى أن المثقف العربي يبدأ غالبًا مشروعه الفكري بروح نقدية جريئة ثم ينتهي إلى نوع من المصالحة مع البنى التقليدية. هذه الظاهرة في نظره تعبير عن أزمة عميقة في بنية الثقافة العربية التي تعجز عن حماية الفكر النقدي.
جانب آخر مهم في مشروع الأنصاري يتمثل في اهتمامه بسوسيولوجيا السياسة العربية. استلهم في هذا المجال منهج ابن خلدون التحليلي الذي يقوم على دراسة العلاقة بين العصبية والدولة. حاول تطوير هذا المنهج فيما أسماه الخلدونية الجديدة، وهي محاولة لتطبيق أدوات التحليل الخلدوني على الواقع العربي المعاصر.
في هذا الإطار درس طبيعة الدولة القطرية التي نشأت في العالم العربي بعد الاستقلال. يرى أن هذه الدولة ورثت كثيرًا من خصائص العصبية التقليدية دون أن تنجح في بناء مؤسسات سياسية حديثة قائمة على مفهوم المواطنة. نتيجة ذلك بقيت الدولة في كثير من الأحيان إطارًا هشًا يعتمد على القوة أو الريع الاقتصادي بدل الاعتماد على عقد اجتماعي واضح بين السلطة والمجتمع.
في كتاب «العرب والسياسة أين الخلل» حاول تفسير هذا الوضع من خلال تحليل التناقض بين المثال والواقع في التجربة السياسية العربية. المثال يتمثل في فكرة الوحدة والخلافة التي شكلت جزءًا من الوعي التاريخي العربي، أما الواقع فيتسم بالتجزئة والصراعات الداخلية. هذا التناقض في نظره خلق فجوة عميقة بين الطموح السياسي والقدرة الواقعية على تحقيقه.
اهتمامه بالسياسة لم ينفصل عن اهتمامه بالثقافة والأدب. في بداياته كتب دراسات نقدية حول الأدب الأندلسي والرواية العربية، وكان يرى أن النص الأدبي يعكس التحولات العميقة في المجتمع. الأدب في نظره مرآة للوعي الجمعي، لذلك يمكن من خلاله قراءة الأزمات الثقافية التي تمر بها المجتمعات.
هذا التداخل بين الأدبي والسياسي منح كتاباته طابعًا خاصًا يجمع بين التحليل العلمي واللغة الأدبية. النص عند الأنصاري يتحرك بين التاريخ وعلم الاجتماع والفلسفة في محاولة لرسم صورة شاملة للعالم العربي المعاصر. هذه القدرة على الجمع بين الحقول المعرفية المختلفة شكلت إحدى السمات المميزة لمشروعه الفكري.
عند قراءة أعماله يظهر بوضوح تأثير هزيمة عام 1967 في تكوين وعيه النقدي. تلك الهزيمة شكلت لحظة صدمة دفعت كثيرًا من المفكرين العرب إلى مراجعة المسلمات الفكرية التي سادت خلال مرحلة ما بعد الاستقلال. بالنسبة للأنصاري مثلت الهزيمة نقطة انطلاق لعملية طويلة من مساءلة الذات الثقافية والسياسية.
في كتاب «مساءلة الهزيمة» قدم تحليلًا يتجاوز التفسير العسكري المباشر للأحداث. رأى أن الهزيمة تعبير عن أزمة أعمق تتعلق ببنية الفكر والمؤسس ات في العالم العربي. لذلك دعا إلى ضرورة القيام بنقد ذاتي شامل يشمل الثقافة والسياسة والتعليم.
هذه الدعوة إلى النقد الذاتي تشكل جوهر مشروعه النهضوي. في كتاب «تجديد النهضة» باكتشاف الذات ونقدها طرح فكرة أن النهضة العربية الأولى في القرن التاسع عشر اعتمدت بدرجة كبيرة على الاقتباس من التجربة الغربية دون استيعاب كامل لشروطها التاريخية. نتيجة ذلك بقيت عملية التحديث سطحية في كثير من جوانبها.
يرى أن النهضة الجديدة تحتاج إلى فهم أعمق للذات الحضارية العربية، فهم يقوم على النقد والتحليل بدل التمجيد الخطابي. هذا النقد في نظره يمثل الخطوة الأولى نحو بناء مشروع حضاري جديد قادر على التعامل مع تحديات العصر.
بهذه الرؤية تحول محمد جابر الأنصاري إلى واحد من أبرز الأصوات العقلانية في الفكر العربي المعاصر. مشروعه الفكري يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول مستقبل العالم العربي وإمكانات تجاوزه لأزماته التاريخية. داخل هذا الأفق تبقى كتاباته دعوة مفتوحة للتفكير العميق في معنى النهضة ودور العقل النقدي في بناء المستقبل.