مجيب الرحمن بن عثمان العمري
حين يصعد المسافر إلى الطائرة، فإنه لا ينتقل من مكان إلى آخر فحسب، بل يعبر إلى عالم تتقاطع فيه الثقافات واللغات والجنسيات. وفي هذا الفضاء، يصبح السلوك لغة لا تحتاج إلى ترجمة، ويصبح احترام النظام والآخرين صورة تختصر الكثير مما يمكن أن تقوله الكلمات.
تأتي الخطوط السعودية، بوصفها الناقل الوطني للمملكة، في مقدمة الواجهات التي تعبر من خلالها المملكة إلى العالم. فهي تجوب عواصم ومدنًا مختلفة، تحمل على متنها مواطنين ومقيمين وزوارًا من شتى أنحاء العالم، وفي كل رحلة تتسع مساحة اللقاء بين المملكة والعالم.
من هنا، فإن سلوك المسافر داخل الطائرة ليس شأنًا فرديًا معزولًا تمامًا عن محيطه. فقد يكون المسافر أول شخص يلتقي به أحد القادمين من الخارج، وقد يترك سلوكه انطباعًا عن المجتمع الذي ينتمي إليه، ولذلك فإن الالتزام بتعليمات السلامة، واحترام طاقم الطائرة، والجلوس عند طلب ذلك، وربط حزام الأمان، والمحافظة على الهدوء، كلها ممارسات تعكس وعي الإنسان وتحضره.
إن الالتزام بالنظام لا ينبغي أن يكون سببه الخوف من المخالفة أو الغرامة، وإنما القناعة بأن الأنظمة وجدت من أجل سلامة الجميع وراحتهم. فالمسافر الواعي لا ينتظر من يراقبه حتى يلتزم، ولا يحتاج إلى تكرار التنبيه حتى يدرك أن وراء كل تعليمات سببًا، وأن سلامة الرحلة مسؤولية مشتركة تبدأ من سلوك الفرد.
قد تبدو بعض التصرفات بسيطة، لكنها في مجموعها تصنع صورة المجتمع. أن تنتظر دورك، وأن تترك الممر مفتوحًا، وأن تراعي كبار السن والأطفال، وأن تخفض صوتك، وأن تتعامل مع طاقم الطائرة باحترام، كلها تفاصيل صغيرة، لكنها تعكس ثقافة كبيرة عنوانها الوعي والمسؤولية.
والمملكة العربية السعودية تعيش اليوم مرحلة واسعة من التطور والانفتاح والحضور الدولي، وتستقبل ملايين الزوار من مختلف أنحاء العالم، فيما يسافر مواطنوها ومقيموها إلى مختلف الدول. وفي ظل هذا الحضور المتنامي، لم تعد صورة المملكة تُصنع من خلال الإعلام وحده، بل أصبحت تتشكل أيضًا من خلال التجارب اليومية التي يعيشها الناس في المطارات والطائرات والأماكن العامة.
ولهذا، فإن المواطن والمقيم والزائر جميعًا شركاء في صناعة الصورة الحضارية. فالمواطن حين يسافر، والمقيم حين يعيش في المملكة، والزائر حين يأتي إليها، يستطيع كل منهم أن يترك أثرًا جميلًا من خلال احترام النظام والآخرين، والتعامل الراقي، والالتزام بالتعليمات.
إن المجتمعات المتقدمة لا تقاس فقط بما تنجزه من مشاريع كبرى، وإنما أيضًا بمدى احترام أفرادها للتفاصيل الصغيرة. فالحضارة الحقيقية تظهر في السلوك اليومي، وفي قدرة الإنسان على الالتزام حتى عندما لا يكون هناك من يراقبه.
ولعل أجمل رسالة يمكن أن نحملها معنا في كل رحلة هي أن الوطن لا يُمثَّل في المحافل الرسمية وحدها، بل يُمثَّل أيضًا في المواقف العابرة التي قد لا يلتفت إليها أحد. وكل مسافر قد يكون، من حيث لا يشعر، صورة عن وطنه ومجتمعه.
حين نركب الطائرة، قد نظن أننا نغادر الوطن، لكن الحقيقة أننا نحمل الوطن معنا في سلوكنا، في كلماتنا، وفي احترامنا للأنظمة والآخرين. فمن مقعدك في الطائرة، ومن لحظة صعودك حتى لحظة وصولك، أنت لا تسافر وحدك.. أنت تحمل معك صورة وطن.