د. علي بن عالي السعدوني
ليست قيمة مشروع البحر الأحمر في الفنادق الفاخرة التي ترتفع على امتداد الساحل فحسب، ولا في المنتجعات التي تستقبل الزوار من مختلف أنحاء العالم، ولا في الجزر البكر التي تتحول إلى وجهات سياحية استثنائية، وإنما في الفلسفة التنموية التي أعادت تعريف العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وجعلت التنمية الاقتصادية تسير جنبًا إلى جنب مع المحافظة على البيئة، ورسخت مفهومًا جديدًا يقوم على أن الاستثمار الحقيقي لا يقاس بحجم الإنفاق وحده، وإنما بقدرته على صناعة مستقبلٍ تبقى آثاره ممتدةً لأجيالٍ متعاقبة، وتحويل الموارد الطبيعية إلى قيمة حضارية واقتصادية مستدامة، وإبراز المملكة بوصفها نموذجًا عالميًا يجمع بين الطموح والمسؤولية في آنٍ واحد.
حين أعلن سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إطلاق هذا المشروع لم يكن الحديث عن إنشاء وجهة سياحية جديدة بقدر ما كان إعلانًا عن مرحلة مختلفة في التفكير التنموي مرحلةٍ ترى أن المملكة تمتلك من المقومات الطبيعية والتاريخية والبيئية ما يجعلها قادرة على منافسة أكبر الوجهات العالمية، وأن البحر الأحمر ليس مجرد شريطٍ ساحلي يمتد على الخارطة بل كنزٌ طبيعي وثقافي وحضاري يستحق أن يُقدَّم للعالم بأعلى المعايير مع الحفاظ على تفاصيله البيئية التي منحت المكان فرادته عبر آلاف السنين.
ويكتسب المشروع قيمته الاستراتيجية من كونه يقدم نموذجًا مختلفًا للتنمية نموذجًا يجعل الاستدامة جزءًا من الهوية لا شعارًا إعلاميًا، ويؤكد أن حماية الشعاب المرجانية، وصون الحياة الفطرية، والمحافظة على الجزر البكر ليست عوائق أمام الاستثمار، وإنما عناصر تزيده قيمةً وجاذبيةً واستمرارية؛ لأن العالم أصبح يبحث عن الوجهات التي تحترم الطبيعة بقدر احترامها للإنسان، وتمنح الزائر تجربةً استثنائية دون أن تنتقص من حق الأجيال القادمة في الاستمتاع بجمال المكان ذاته.
ويعكس المشروع كذلك حجم التحول الذي تعيشه المملكة في إطار رؤية السعودية 2030، إذ لم يعد الاقتصاد يعتمد على مسار واحد بل أصبح يبني منظومة متنوعة تستثمر في السياحة، والثقافة، والبيئة، والتقنية، والخدمات، وتفتح آفاقًا واسعة أمام الاستثمارات العالمية، وتوفر فرصًا نوعية للكفاءات الوطنية، وتدفع عجلة التنمية نحو قطاعات كانت تمثل في الماضي إمكانات كامنة، فإذا بها اليوم تتحول إلى روافد اقتصادية تسهم في تنويع مصادر الدخل الوطني وتعزيز مكانة المملكة على خارطة الاقتصاد العالمي.
ولعل أكثر ما يلفت النظر في هذا المشروع أنه لم يكتفِ ببناء المنتجعات والمرافق الحديثة بل سعى إلى بناء صورة ذهنية جديدة عن المملكة صورةٍ تقدم وطنًا يجمع بين أصالة التاريخ وحداثة الإنجاز، وبين جمال الطبيعة وروعة الهندسة، وبين احترام البيئة والتقدم التقني حتى أصبح البحر الأحمر عنوانًا عالميًا للسياحة المتجددة، ومختبرًا مفتوحًا لأفضل الممارسات البيئية، ومنصةً تستقطب الخبرات والاستثمارات والشراكات الدولية التي تؤمن بأن المستقبل يصنعه من يملك الجرأة على التفكير خارج المألوف.
إن مشروع البحر الأحمر ليس مجرد وجهة سياحية بل رسالة حضارية تؤكد أن المملكة العربية السعودية تمضي بثقة نحو صناعة مستقبلها، وأنها تمتلك قيادةً تؤمن بأن التنمية الشاملة لا تتحقق إلا عندما تلتقي قوة الاقتصاد مع جمال الطبيعة، وعندما يصبح الاستثمار وسيلةً لبناء الإنسان وحماية المكان وتعزيز جودة الحياة، لتبقى هذه الوجهة واحدةً من أبرز الشواهد على أن رؤية المملكة 2030 لم تعد وعودًا تُكتب على الورق، وإنما إنجازاتٌ تتجسد على أرض الواقع، وتروي للعالم قصة وطنٍ جعل من الطموح مشروعًا، ومن الحلم حقيقة، ومن البحر الأحمر نافذةً يطل منها المستقبل على العالم كله.