أمل حمدان الشريف
الكلمة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي مرآةٌ للتربية، ومقياسٌ للوعي، وأحد أكثر أدوات التأثير حضورًا في العلاقات الإنسانية. ومن هنا جاءت ثقافة الإتيكيت في الحديث؛ فهي لا تقتصر على انتقاء الألفاظ المهذبة، بل تمتد إلى معرفة متى نمدح، وكيف نمدح، ولماذا نمدح.
فالمديح في جوهره قيمةٌ إنسانية راقية، حين يكون اعترافًا صادقًا بإنجاز، أو تقديرًا لموقف، أو امتنانًا لأثرٍ تركه صاحبه. إنه يمنح صاحبه دافعًا للاستمرار، ويعزِّز ثقافة التقدير، ويشيع الاحترام بين الناس. لكن هذه القيمة تفقد معناها عندما يتحول المديح إلى سلعةٍ تُمنح بلا معايير، أو وسيلةٍ لتحقيق مصالح، أو أداةٍ للتقرب من أصحاب النفوذ والمكانة. المديح المدروس لا يمدح الأشخاص على إطلاقهم، بل يثني على أعمالهم وسلوكهم وإنجازاتهم. يلتقط التفاصيل، ويصفها بدقة، ويبتعد عن العبارات العامة والمبالغات التي تثير الشك أكثر مما تصنع الأثر. وهو مديحٌ لا ينتظر المقابل، ولا يبحث عن مكسب، وإنما يصدر عن قناعةٍ واحترام.
أما المديح الزائف، فهو الوجه الآخر للكلمة حين تفقد أخلاقها. يبدأ بالمبالغة، وينتهي بالتملّق. يرفع من لا يستحق، ويتجاهل أصحاب الجهد الحقيقي، حتى يصبح وسيلةً لتزييف الصورة وإرباك معايير التقدير. والأسوأ من ذلك أنه قد يصنع أوهامًا لدى الممدوح، ويُشعر المجتهدين بأن الإنجاز لم يعد هو الطريق إلى التقدير، بل مهارة استقطاب عبارات الإطراء.
ومن أرقى صور الإتيكيت أن يكون الإنسان كريمًا في تقديره، لكنه حكيمٌ في كلماته. فلا يبخل بالثناء حين يستحق، ولا يوزعه بلا ميزان. فالكلمة الصادقة تُبنى على الإنصاف، لا على المجاملة، وعلى الحقيقة، لا على المصالح.
إن المجتمعات التي ترتقي بثقافة الحوار هي ذاتها التي ترتقي بثقافة التقدير. فحين يصبح المديح مبنيًا على الكفاءة، ويُمنح وفق الاستحقاق، تنمو الثقة، وتزدهر المنافسة الشريفة، ويشعر كل مجتهد أن جهده مرئي ومحفوظ. أما إذا اختلط الثناء بالتملق، فإن أول ما يخسره المجتمع هو عدالة التقدير، وآخر ما يفقده هو الثقة بالكلمة نفسها.
لذلك، فإن الإتيكيت الحقيقي في الحديث لا يكمن في كثرة المديح، بل في صدقه، وعدالته، وحسن توقيته. فالكلمات الراقية لا تُقاس بعددها، وإنما بالأثر الذي تتركه، وبالقيم التي تحملها، وبالضمير الذي خرجت منه.