د. ناهد باشطح
فاصلة:
«يكون الإنسان غنيًا بقدر الأشياء التي يستطيع الاستغناء عنها.»
-هنري ديفيد ثورو-
*******
تلقيت دعوة من صديقة سعودية للاحتفال بتخرج إبنها من جامعة مانشستر ، لم يكن الحفل في فندق فاخر، ولا في قاعة ضخمة، ولا ازدحم المكان بمنسقي الزهور والضيافة وشاشات العرض، كان الحفل في قاعة مخصصة للضيوف في عمارتها السكنية.
كان لقاءً جميلاً بسيطًا، لكنه ترك في نفسي سؤالاً عميقاً: متى أصبحنا نعتقد أن قيمة المناسبة تقاس بحجم ما ننفق عليها للحضور ؟
في بلدي السعودية، مجرد تلبية الدعوة تبدأ باستعداد طويل، عن اللباس ، المجوهرات ومصففة الشعر وكثير من الاستعدادات، بينما في مانشستر، فوجئت بأن أحداً من الحضور لا يبدو منشغلًا بكل هذه التفاصيل، الناس جاءوا ليشاركوا المناسبة، لا ليتفقدوا ما يرتديه الآخرون او ليقيّموا تفاصيل الحفل.
لم أفكر كثيراً في الترتيبات لحضور الحفل، اخترت بدلة اشتريتها قبل سنوات عدة حين زرت اليابان، وما زلت أحبها كما أحببتها يوم اقتنيتها، عندها أدركت أن الذائقة لا تنضج عندما نشتري أكثر، بل عندما نحتاج أقل. أكتشف لما أدركت الفرق بينما أحتاج وبين ما أريد أنني لم أتوقف عن شراء بعض الأشياء لأن ثمنها مرتفع مثلاُ، بل لأن علاقتي بالأشياء تغيّرت.
تُغيّرنا المدن، تعيد ترتيب أولوياتنا بهدوء، لأننا نفكر قبل أن نتبع ماهو سائد من قبل أو مألوف في حياتنا هل هو مجدٍ ؟هل نحتاجه بالفعل في حياتنا ؟.
لم أعد أسأل: ماذا ينقص خزانتي من ملابس وأحذية واكسسوارات ؟ بل أسأل: هل ينقصني حقا شيء؟ وربما كان هذا هو الفرق بين الاستهلاك الذي يملأ البيوت، والرضا الذي يملأ القلب.
أحيانًا لا نشتري لأننا نحتاج، بل لأننا نخشى أن نبدو أقل من الصورة التي اتفق المجتمع على الإعجاب بها.
ذهب الإسكندر الأكبر إلى الفيلسوف ديوجين الكلبي وعرض عليه أن يحقق له أي طلب، كان ديوجين مستلقيًا تحت الشمس، فلم يطلب مالاً ولا نفوذاً، بل قال له:
تنحَّ قليلًا، فأنت تحجب عني الشمس. قد يمتلك الإنسان فرصة الحصول على المزيد، لكنه يكتشف أن ما يحتاج إليه فعلًا أبسط مما يُعرض عليه.
في الحفل وانا أرى الأم تضع لمساتها الأخيرة بدون وجود عاملات او فريق عمل للضيافة وحولها أبناؤها يشاركونها الترتيب وجميعهم تجاوز العشرين من العمر، تذكرت ديوجين الذي لم يطلب من الإسكندر شيئًا سوى ألا يحجب عنه الشمس، وربما لا نحتاج نحن أيضًا إلى مزيد من الزينة والبذخ بقدر ما نحتاج إلى أن نرى المناسبة نفسها: فرحة أم، نجاح ابن ، تعاون أخوة ، وأصدقاء حضروا ليشاركوا لا ليتنافسوا.
ربما لا تستهلكنا المناسبات نفسها، بل فكرة أن الآخرين يراقبون طريقة حضورنا إليها، نحن أحياناً نخاف التقييم الاجتماعي، فنخسر البساطة التي هي الجمال حين لا يتحول الى عبء..
كل مدينة تعلّمنا شيئًا، أما مانشستر، فقد علمتني أن قيمة المناسبة لا يرفعها ثمن الفستان أو المجوهرات ، بل حضور القلوب.
أدركت أن النضج لا يظهر عندما نستطيع شراء كل ما نريد، بل عندما نعرف ما الذي لم نعد بحاجة إلى شرائه.
ليس الفرق بين مجتمع مانشستر ومجتمع الرياض أن أحدهما يحب الأناقة والآخر لا، فالإنسان يحب الجمال أينما كان، لكن الفرق أن بعض البيئات تجعل الأشياء جزءاً من قيمتك الاجتماعية، بينما تجعلها بيئات أخرى مجرد وسيلة.
لم أتعلم في مانشستر كيف أشتري أقل، بل كيف أحمّل الأشياء وزنها الحقيقي.
فالبدلة ليست رمزًا للذوق، والحفل ليس مقياسًا للمحبة، والهدية ليست مقياسًا للوفاء. عندما تعود الأشياء إلى حجمها الطبيعي، تتقدم العلاقات والذكريات والمشاعر إلى المقدمة.