د. طارق بن محمد بن حزام
تقرأ قوله تعالى: (وليس الذكر كالأنثى) كثيرًا خارج سياقها، فتُحمَّل ما لا تحتمل، مع أنها جاءت في قصة امرأة عمران التي ظنت أن الذكر أصلح لخدمة بيت المقدس. لكن الله سبحانه أظهر أن حكمته أوسع من تصورات البشر، فاصطفى مريم عليها السلام، وجعلها سيدةً من سيدات نساء العالمين وأمًّا لنبي كريم، ليؤكد أن الاختلاف لا يعني النقص، بل قد يكون بابًا إلى فضلٍ من نوع آخر.
ويقرر القرآن أصلًا راسخًا، وهو أن الرجل والمرأة سواء في الإنسانية والكرامة والتكليف، قال تعالى: ( بعضكم من بعض)، وقال سبحانه:( إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى)، فجعل ميزان التفاضل بين الناس الإيمان والعمل الصالح، لا الذكورة ولا الأنوثة.
غير أن المساواة في الكرامة لا تعني التطابق في الخصائص أو الأدوار؛ فقد اقتضت حكمة الله أن يهب كلًّا من الرجل والمرأة من الصفات والاستعدادات ما يحقق التكامل بينهما، ولذلك فهم جمهور المفسرين أن قوله تعالى: ( وليس الذكر كالأنثى) إنما يتعلق باختلاف الخصائص المناسبة لبعض المسؤوليات، لا بتفاوت القيمة الإنسانية أو المنزلة عند الله.
ومن أكثر النصوص التي أسيء فهمها حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ناقصات عقل ودين»، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام بيّن معناه بنفسه، فربط نقصان العقل بالشهادة في بعض المعاملات، ونقصان الدين بترك الصلاة والصيام زمن الحيض، ولم يجعله وصفًا عامًا لذكاء المرأة أو كفاءتها.
بل إن التاريخ الإسلامي شاهد على نبوغ المرأة في العلم والفقه والرأي؛ فقد كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من أعلم الصحابة، ورجع إليها أكابرهم في الفتوى والحديث، كما برزت عبر التاريخ عالمات ومحدثات وفقيهات، مما يؤكد أن القدرات العقلية لا يحكمها مجرد الجنس، بل تتفاوت بين الأفراد بحسب ما وهبهم الله من استعداد، وما يكتسبونه من علم وخبرة واجتهاد.
إن الإشكال لا يكمن في النصوص، وإنما في قراءتها بمنطق المفاضلة، بينما جاءت لتؤسس لمعنى التكامل، فالرجل والمرأة ليسا خصمين يتنازعان الحقوق، ولا متنافسين على المكانة، وإنما شريكان في بناء الأسرة وعمارة الأرض، لكلٍّ منهما خصائصه، ولكلٍّ منهما رسالته.
وهكذا يقدم الإسلام معادلة متوازنة: مساواة في الإنسانية والكرامة والتكليف، واختلاف في بعض الخصائص والأحكام التي اقتضتها الفطرة والحكمة، ومن يقرأ النصوص بهذا الميزان يدرك أن قوله تعالى: ( وليس الذكر كالأنثى)، ليس دعوة إلى المفاضلة، بل بيانٌ لعدل الله تعالى الذي يحقق التكامل، ويضع كلًّا من الرجل والمرأة في الموضع الذي تكتمل به رسالة الحياة، ويستقيم به العمران.