عمار الزغيبي
ما شهدته منطقة الخليج خلال التوترات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران قدم نموذجًا واضحًا لهذا التحول، فلم تعد موازين القوة تُحسم بالصواريخ والأساطيل العسكرية وحدها، بل أصبحت تُقاس بقدرة الدول على حماية اقتصادها، وتأمين سلاسل الإمداد، والحفاظ على ثقة المستثمرين في أصعب الظروف، هذا هو جوهر ما يُعرف بـ»الجيواقتصاد»، فبينما كانت الأنظار تتجه إلى احتمالات اتساع رقعة المواجهة وتأثيرها على أسواق الطاقة العالمية، اختارت السعودية مسارًا مختلفًا؛ تدرك فيه أن استقرار الاقتصاد هو أقوى رسالة يمكن أن تقدمها للعالم، ولم تنجر إلى لغة التصعيد، ولم تتعامل مع الاستفزازات، ومنها تهديدات الحوثيين، بردود فعل انفعالية، بل وجهت تركيزها بالكامل لحماية مكتسباتها الاقتصادية وضمان تدفق الإمدادات. هذا التعالي المسؤول المنطلق من قوة وثقة المؤسسات الوطنية بعث برسالة طمأنينة للمجتمع الدولي، وصاغ صورة المملكة كدولة عاقلة تسعى للتهدئة لا لتأجيج الصراعات.
هذه السياسة لم تكن مجرد موقف دبلوماسي، بل انعكست مباشرة على أداء الاقتصاد السعودي، فصندوق النقد الدولي، رغم خفضه توقعات النمو لعام 2026 إلى %1.7 نتيجة الظروف الجيوسياسية وافتراض استمرار تعطل بعض مسارات الطاقة والنفط، عاد ليرفع توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي إلى 5.5 %في عام 2027، ليُصبح ثاني أعلى معدل نمو بين اقتصادات مجموعة العشرين بعد الهند، مما يدل على قدرة الاقتصاد السعودي على التعافي السريع والتكيف مع المتغيرات.
لم تولد هذه المرونة مع الأزمة، فالمملكة استثمرت مبكرًا في تنويع منافذ تصدير النفط، عبر خط أنابيب (شرق-غرب) الذي يربط حقول المنطقة الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر، ما وفر بديلًا استراتيجيًا عن مضيق هرمز عند الحاجة، وخلال ذروة التوترات، استمرت الصادرات النفطية عبر البحر الأحمر بنحو 5 ملايين برميل يوميًا، في رسالة واضحة بأن أمن الطاقة العالمي لا يزال يجد في السعودية شريكًا يعتمد عليه. ولم يعد الاقتصاد السعودي يعتمد على النفط وحده كما كان في السابق، فبرامج رؤية 2030 أعادت تشكيل هيكل الاقتصاد، ورفعت مساهمة القطاعات غير النفطية، ووسعت قاعدة الاستثمار في الصناعة، والخدمات اللوجستية، والتقنية، والسياحة، والاقتصاد الرقمي، وهذا التنوع منح المملكة قدرة أكبر على امتصاص الصدمات، مقارنة بالعديد من اقتصادات المنطقة التي ما زالت ترتبط بدرجة أكبر بتقلبات أسواق الطاقة.
لا تقوم الجيو-اقتصاد في صورتها الحديثة على استخدام الاقتصاد للضغط على الآخرين فقط، بل على بناء اقتصاد يجعل العالم حريصًا على استقرارك، وهذا ما نجحت السعودية في تحقيقه، فكلما زادت الاستثمارات الدولية، وتوسعت المشاريع العملاقة، وتعززت مكانة المملكة كمركز لوجستي عالمي، أصبحت المحافظة على استقرارها مصلحة دولية، لا مصلحة محلية فحسب.
المملكة اليوم تثبت أن الحكمة ليست تراجعًا، وأن ضبط النفس ليس ضعفًا، بل هو أحد أهم عناصر القوة في عالم متقلب، ففي الوقت الذي انشغل فيه كثيرون بإدارة الأزمات، كانت السعودية تدير الفرص، وتحافظ على ثقة الأسواق، وتؤكد أن النفوذ الحقيقي في القرن الحادي والعشرين يُبنى بالاقتصاد، ويُصان بالاستقرار، ويُترجم إلى استثمارات وتنمية مستدامة. وهذه هي المعادلة التي جعلت المملكة لاعبًا جيو-اقتصاديًا مؤثرًا، لا في الخليج وحده، بل في الاقتصاد العالمي بأسره.