د.عبدالله الفايز
من المعضلات التي صاحبت مسيرة التعليم في المملكة لعقود طويلة أن كثيراً من خريجي الجامعات لم يدرسوا التخصص الذي كانوا يحلمون به، أو الذي يتوافق مع مواهبهم الحقيقية، وإنما وجدوا أنفسهم في تخصصات فرضتها عليهم الظروف الأكاديمية أو الاجتماعية.
فقد يكون الطالب شغوفًا بمجال معين، إلا أن انخفاض معدله الدراسي أو عدم تحقيقه الدرجة المطلوبة في اختبار القياس، أو مروره بظروف شخصية أو أسرية خلال السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية كان كفيلًا بتغيير مسار حياته بالكامل، لينتقل إلى تخصص آخر لا يميل إليه ولا يرى فيه ذاته.
وهكذا أصبح مستقبل الإنسان المهني في كثير من الأحيان مرهونًا بنتيجة اختبار أو ظرف مؤقت، بينما قد تبقى موهبته الحقيقية حبيسة داخله طوال حياته.
وعندما ننظر إلى بدايات التعليم النظامي في المملكة قبل نحو مئة عام، نجد أن التجربة التعليمية تأثرت إلى حد كبير بالخبرات العربية التي أسهمت في بناء المدارس والمناهج.
وكان الهدف الرئيس -آنذاك- هو نشر التعليم الأساسي وبناء قاعدة ثقافية وعلمية، تمكن الطالب من مواصلة تعليمه حتى المرحلة الثانوية، مع وجود نسبة محدودة فقط تغادر مقاعد الدراسة مبكرًا لتلتحق بسوق العمل وفق ظروفها المعيشية.
وكانت المناهج تركز على العلوم الأساسية واللغة والأدب والرياضيات والعلوم الطبيعية، باعتبارها الطريق الطبيعي لبناء الإنسان المتعلم، ولم يكن هناك اهتمام يذكر بتنمية المواهب الفردية أو اكتشاف القدرات الخاصة أو توجيه الطلاب نحو مجالات الإبداع المختلفة.
وكان النظام التعليمي يقسم الطلاب في المرحلة الثانوية إلى مسارين رئيسين هما العلمي والأدبي، ثم يبدأ بعد ذلك التفكير في اختيار التخصص الجامعي والمهنة المستقبلية.
وكانت الصورة الذهنية للنجاح المهني محدودة في عدد معين من التخصصات التي اعتبرت -آنذاك- قمة الطموح، مثل الطب والهندسة والعلوم والجيولوجيا والصيدلة، بينما كان خريجو القسم الأدبي يتجهون غالبًا إلى الآداب أو الاقتصاد أو العلوم السياسية أو القانون أو إدارة الأعمال أو التربية أو الزراعة.
كما كانت هناك المعاهد العلمية ذات الطابع الشرعي التي تستقطب شريحة أخرى من الطلاب.
أما بقية المجالات فلم تكن تُطرح أصلًا باعتبارها تخصصات يمكن أن يبني عليها الإنسان مستقبله أو يحقق منها نجاحًا اقتصاديًا أو اجتماعيًا.
ومن اللافت أن التعليم -آنذاك- لم يكن ينظر إلى الرياضة أو الفنون أو الموسيقى أو المسرح أو التمثيل أو السياحة باعتبارها تخصصات أكاديمية أو مهنًا احترافية تستحق الدراسة والتطوير، بل كانت هذه المجالات تكاد تكون غائبة تمامًا عن التفكير المؤسسي والتعليمي، رغم وجود مواهب فطرية كثيرة لدى الشباب والفتيات.
وكان كثير من أصحاب هذه المواهب يخفونها خشية الرفض الاجتماعي أو الأسري، إذ كانت بعض الأنشطة الفنية والرياضية في عدد من المناطق المحافظة، خصوصًا في منطقة نجد، لا تحظى بالقبول الاجتماعي، بل كان يُنظر إليها أحيانًا على أنها مهن لا تليق بأبناء الأسر المحافظة.
وأدى هذا الواقع إلى نتيجة طبيعية، وهي أن الفراغ الذي تركه المجتمع في تلك المجالات، استثمره آخرون ممن لم يكونوا يخضعون للقيود الاجتماعية نفسها، سواء من داخل المملكة أو من خارجها. فبرزت أسماء في الغناء وإحياء المناسبات والفنون المختلفة، ليس بالضرورة لأنها كانت الأكثر موهبة أو احترافًا، وإنما لأن المنافسة كانت محدودة، ولأن الساحة كانت شبه خالية من الكفاءات الوطنية التي أتيحت لها فرصة الظهور.
كما استفاد عدد كبير من الفنانين والرياضيين العرب من هذا الفراغ، فأصبحوا يحظون بمتابعة واسعة داخل المجتمع، في الوقت الذي ظل فيه كثير من الأسر يرفضون أن يسلك أبناؤهم الطريق نفسه، فكان المجتمع يستهلك هذه الفنون ويستمتع بها، لكنه لا يقبل أن يكون أبناؤه جزءًا منها.
ومع التحولات الكبرى التي شهدتها المملكة خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد إطلاق رؤية المملكة 2030، تغيرت النظرة إلى كثير من القطاعات بصورة جذرية، فقد أصبحت الرياضة والترفيه والفنون والموسيقى والمسرح والتمثيل وصناعة المحتوى والسياحة قطاعات وطنية تحظى بالدعم والتشجيع والاستثمار، وأصبحت جزءًا من الاقتصاد الوطني ومن برامج تنويع مصادر الدخل. وبدأت الجامعات والمعاهد تطرح برامج جديدة، وظهرت مؤسسات وهيئات متخصصة لرعاية هذه القطاعات، وأصبحت الموهبة تُنظر إليها باعتبارها أصلًا اقتصاديًا يمكن أن يسهم في التنمية الوطنية.
في البداية كان الغناء والطرب وحتى الرياضة بأنواعها لا يرضى عنها المجتمع وتعتبر من الممنوعات، وخاصة في منطقة نجد. وعلى من الرغم من أنه كان هناك مواهب إلا أنها كانت مختفية ولا يسمح بها الأهل. لذلك استفاد من ذلك مطربات وطقاقات للأعراس من أصول لا تحسب على المجتمع المحافظ، والذي لا يسمح لأبنائه بمزاولتها. وكان نجاح تلك الفنانات ليس بسبب جدارتهن ولكن لغياب من ينافسهن والجود من الموجود. كما استفاد من ذلك بعض الفنانين العرب الذين كنا نهتم بهم ونتابعهم ولكن لا نرضى ذلك لأبنائنا.
ولكن بعد الانفتاح الاجتماعي بعد الرؤية وجدنا أن هناك اهتماماً بالرياضة والترفيه والطرب والتمثيل والفنون. وهي تخصصات كانت مغيبة تماماً، ولكنها اليوم أصبحت مغرية، فما يتقاضاه بعض الفنانين في أربع ساعات يصل إلى حدود مليون ريـال، بينما المهن الأخرى التي أخذنا فيها شهادات بكالوريوس وماجستير ودكتوراه لا يصل ما تتقاضاه في أربع سنوات (وليس ساعات) المليون ريـال. وساعد على ذلك ما فرضته الظروف الاقتصادية وتوفير فرص عمل للمواطنين. وحتى تعليم السياحة كان مغيباً. وفجأة وجدنا أننا ندفع ثمن التحفظ والانغلاق. والآن نبدأ بعد أن سبقنا جيراننا الذين علمونا تخصصات ومنعونا من غيرها. فالمشوار طويل.
واليوم يلاحظ الجميع أن بعض العاملين في المجالات الفنية أو الرياضية أو الترفيهية يستطيعون تحقيق دخول مالية كبيرة خلال ساعات قليلة، قد تصل في بعض الحالات إلى مئات الآلاف أو حتى ملايين الريالات، بينما يقضي أصحاب الشهادات الجامعية العليا سنوات طويلة في الدراسة والعمل، وربما لا يصل مجموع ما يحصلون عليه خلال سنوات عديدة إلى ما يحققه بعض المشاهير في فترة زمنية قصيرة.
وليس المقصود من هذه المقارنة التقليل من قيمة أي مهنة أو تعظيم أخرى، وإنما إبراز حجم التحول الذي طرأ على الاقتصاد العالمي، حيث أصبحت الصناعات الإبداعية والاقتصاد الثقافي والترفيهي من أسرع القطاعات نموًّا وأكثرها قدرة على توليد الثروة. كما أن قطاع السياحة يمثل مثالًا آخر على التخصصات التي كانت غائبة عن منظومتنا التعليمية لعقود طويلة، رغم أن كثيرًا من الدول كانت تبني اقتصاداتها على هذا القطاع وتؤسس له الجامعات والكليات والمعاهد المتخصصة. وعندما بدأت المملكة تتوسع في الاستثمار السياحي، اكتشفنا حجم الفجوة التي تراكمت نتيجة غياب التعليم المتخصص في هذا المجال، وأصبحنا بحاجة إلى بناء الكفاءات الوطنية من جديد بعد أن سبقنا الآخرون بسنوات طويلة.
وربما لا يكون من الإنصاف تحميل جيل كامل أو مرحلة تاريخية كاملة مسؤولية هذه الخيارات، فلكل مجتمع ظروفه وقيمه وأولوياته في زمنه، كما أن بناء الدولة الحديثة كان يقتضي التركيز على المهن الأساسية التي يحتاجها المجتمع -آنذاك-. إلا أن التجربة تبرز أهمية أن تكون السياسات التعليمية أكثر مرونة وقدرة على استشراف المستقبل، وأن تمنح الطالب فرصة لاكتشاف مواهبه الحقيقية وعدم حصر النجاح في عدد محدود من التخصصات التقليدية، فالتنمية الحديثة لا تقوم على الأطباء والمهندسين والمعلمين وحدهم، بل تحتاج أيضًا إلى الفنان والموسيقي والرياضي والممثل والمبرمج والمصمم وصانع المحتوى ورائد الأعمال والباحث والعالم، لأن جميع هذه المهن أصبحت اليوم جزءًا من منظومة الاقتصاد الوطني.
ولعل الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه هو أن التعليم ينبغي أن ينطلق من الإنسان قبل التخصص، ومن الموهبة قبل التصنيف، وأن يُنظر إلى جميع المهن باعتبارها أدوات لخدمة الوطن وبناء اقتصاده، ما دامت تقوم على الاحتراف والالتزام والقيم. فكلما اتسعت خيارات الشباب، ووجد كل فرد المجال الذي يتوافق مع قدراته وشغفه، ازدادت فرص الإبداع والإنتاج، وأصبح المجتمع أكثر قدرة على المنافسة في عالم تتغير فيه المهن والمهارات بوتيرة أسرع من أي وقت مضى.
الربط بين التجربة الماضية والتحديات المقبلة، لا يقتصر على نقد الماضي، بل يتحول إلى دعوة للتخطيط للمستقبل.
إن الدرس الأهم الذي ينبغي ألا نغفله اليوم هو ألا نقع في الخطأ نفسه مرة أخرى، ولكن بصورة مختلفة.. ففي الماضي ركزنا على عدد محدود من التخصصات التقليدية وأهملنا مجالات أصبحت اليوم من أهم محركات الاقتصاد العالمي. واليوم نقف أمام ثورة تقنية جديدة قد تكون آثارها أكبر وأسرع من جميع الثورات الصناعية السابقة، وهي ثورة الذكاء الاصطناعي والرقمنة والروبوتات والأتمتة وإنترنت الأشياء والحوسبة السحابية والمركبات ذاتية القيادة والمدن الذكية. وإذا استمررنا في تخريج الأعداد نفسها من بعض التخصصات التقليدية، دون إعادة النظر في احتياجات المستقبل، فقد نجد أنفسنا بعد سنوات قليلة أمام فجوة جديدة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، كما حدث في الماضي ولكن بصورة أكثر تعقيدًا.
إن المطلوب ليس إلغاء التخصصات التقليدية، ولكن تقليصها، فالطب والهندسة والقانون والمحاسبة والتربية والتاريخ والجغرافيا وغيرها ستظل ضرورية، ولكن المطلوب هو إعادة هيكلة هذه التخصصات وتطويرها لتتوافق مع البيئة الرقمية الذكية المقبلة، إلى جانب تقليل القبول في بعض البرامج التي قد يتراجع الطلب عليها مستقبلًا، والتوسع في تخصصات جديدة ستكون العمود الفقري للاقتصاد الرقمي. فالعالم لن يحتاج فقط إلى مبرمجي الذكاء الاصطناعي، بل سيحتاج أيضًا إلى مهندسي الروبوتات، وفنيي صيانة الروبوتات، ومصنعي مكوناتها وقطع غيارها، ومطوري أنظمة التحكم الذكية، وخبراء الأمن السيبراني، ومهندسي البيانات الضخمة، ومصممي التوائم الرقمية، ومتخصصي الحوسبة السحابية، ومهندسي الشبكات الذكية، وخبراء إدارة البنية التحتية الرقمية، ومتخصصي النقل الذكي، وإدارة المركبات ذاتية القيادة، وتشغيل الموانئ والمطارات الذكية، وإدارة الخدمات الحكومية الرقمية، إضافة إلى تخصصات لم تظهر بعد ولكنها ستولدها التقنيات الجديدة خلال العقد المقبل.
كما أن التحول الرقمي لن يقتصر على استحداث تخصصات جديدة، بل سيغير طبيعة جميع المهن القائمة ويحورها لتبني التقنيات.. فالطبيب سيعمل بمساعدة الذكاء الاصطناعي، والمهندس سيصمم باستخدام التوائم الرقمية، والمعلم سيعتمد على منصات تعليم ذكية، والمحامي سيستخدم التحليل الآلي للعقود، والمحاسب سيعمل مع أنظمة مالية مؤتمتة، ومدير المدينة سيعتمد على منصات تشغيل رقمية متكاملة. وهذا يعني أن تحديث المناهج لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة وطنية، وأن التعليم يجب أن يتحول من مجرد منح شهادات إلى بناء مهارات قابلة للتطور المستمر طوال الحياة المهنية.
إن المستقبل لن ينتظر من يتردد في الاستعداد له. والدول التي تبدأ اليوم في إعادة صياغة منظومتها التعليمية وفق متطلبات اقتصاد الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي ستكون هي الدول الأكثر قدرة على المنافسة خلال العقود المقبلة. أما الدول التي تستمر في تخريج كوادر وفق احتياجات الأمس، فقد تجد نفسها تواجه تحديًا جديدًا يتمثل في بطالة الخريجين، واستيراد الخبرات في المجالات المستقبلية، تمامًا كما اضطررنا في مراحل سابقة إلى اللحاق بركب تخصصات لم نمنحها الاهتمام الكافي في وقتها.
ومن هنا فإن مسؤولية الجامعات والجهات التعليمية لا تقتصر على تلبية احتياجات سوق العمل الحالي، بل تمتد إلى استشراف سوق العمل بعد عشرين وثلاثين عامًا، لأن التعليم الناجح لا يعد الإنسان لوظائف اليوم، بل لوظائف المستقبل التي لم تولد بعد.
وأنتهي برسالة استراتيجية واضحة: كما أخطأنا عندما تجاهلنا الفنون والرياضة والسياحة، يجب ألا نكرر الخطأ مع الذكاء الاصطناعي والروبوتات والاقتصاد الرقمي. وهي تربط الماضي بالحاضر والمستقبل في تسلسل منطقي واحد.