فيصل بن عبد الله بن محمد آل سعود
كانت بداياتي مع الاهتمام بأهمية المواصلات ودورها في تقريب المسافات وحل كثير من التحديات اللوجستية، في عام 1970م عندما كنت طالباً أعيش في مدينة سان فرانسيسكو، وقد أثار اهتمامي آنذاك مشروع BART الذي مثل نقلة نوعية في وسائل النقل الحديثة بمنطقة خليج سان فرانسيسكو، لما وفره من وسيلة نقل سريعة وآمنة وفعّالة، وشكل نموذجا متقدما لتلبية الحاجة إلى منظومة نقل عصرية.
ومنذ ذلك الوقت بدأ اهتمامي يتعمق بقضية المواصلات ووسائل النقل، وتأثيرها في ازدهار الحضارات، وكان هناك عامل مشترك ربط هذا الاهتمام بقضية عزيزة على قلبي، وهو (الحج)، فعندما التحقت بجامعة ستانفورد، أعددت في عام 1975م دراسة في قسم المواصلات تناولت دور السكك الحديدية في خدمة المنطقة وحجاج بيت الله الحرام، ولهذا الغرض تواصلت مع زميلي وصديقي المهندس زكي فارسي، الذي كان قد عاد حديثا من الولايات المتحدة، وبدأ عمله في إمارة منطقة مكة المكرمة، وطلبت منه تزويدي بخرائط منطقة المشاعر المقدسة للاستعانة بها في إعداد الدراسة. ومن هنا بدأت رحلة البحث في أهمية السكك الحديدية ودورها الاقتصادي كوسيلة نقل عملية، وربطت ذلك باحتياجات المملكة المستقبلية.
وقد انطلقت الدراسة من تصور يربط منطقة مكة المكرمة بمدينة الرياض عبر خط حديدي يبدأ من ميناء الملك عبدالعزيز بجدة مروراً بمحطة قطار الرياض، وصولاً إلى مدينة الدمام وميناء الملك عبدالعزيز فيها، بحيث تكون المهمة الأساسية لهذا الخط نقل البضائع. إلا أن التحدي الحقيقي كان في تطوير الفكرة لتكون أكثر ابتكارا وجدوى اقتصادية وسهولة في التنفيذ. وكان جوهر الفكرة يقوم على استثمار خطوط السكك الحديدية في المشاعر المقدسة باعتبارها جزءا من الخط الرئيس. وبما أن الاستخدام الأساسي للخط هو نقل البضائع. فقد اقترحت الاستفادة من سطحات الشحن خلال موسم الحج لنقل الحجاج. مستفيدين من قصر مدة الموسم وخصوصية الاحتياج.
واعتمدت الفكرة على عدد من المعطيات، أهمها:
أولاً: قِصر المسافات بين المشاعر المقدسة.
ثانياً: توافر سطحات الشحن الجاهزة للاستخدام.
ثالثاً: إمكانية تصنيع مقاعد بلاستيكية تثبت على سطحات الشحن خلال موسم الحج. لتتحول إلى وسيلة عملية لنقل الحجاج بين منى وعرفة ومزدلفة، ثم إلى مكة المكرمة بالقرب من المسجد الحرام.
رابعاً: جدوى المردود الاقتصادي كجزء من المنظومة بوجود السطحات وفقط الاستثمار في المقاعد البلاستيكية والقضبان واستغلال هذا النظام، رغم أن فترة استخدامه لا تتجاوز أسبوعاً واحداً.
وكان التحدي الأكبر يتمثل في إثبات الجدوى الاقتصادية لمشروع يستخدم لأيام معدودة فقط، وهنا يكمن سر الفكرة، وهو ما جذبني إليها آنذاك، وما أثبتته لي الأيام لاحقا عندما تشرفت بخدمة الوطن في المشاعر المقدسة، بصفتي أحد منسوبي الحرس الوطني خلال التسعينيات.
لقد أدركت أن السر الحقيقي يكمن في (البركة) التي حبا الله بها وطننا الغالي، قيادة وإنسانا، وفي شرف المسؤولية التي تحملها المملكة باعتبارها قبلة المسلمين وموطن الحرمين الشريفين ومرجعية الأمة الإسلامية.
وأذكر هنا موقفا كنت شاهد عيان عليه عندما كنت أحد منسوبي الحرس الوطني في المشاعر المقدسة بعد حريق منى، حين تقرر استبدال الخيام، فقد طلب خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز من صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمهما الله بواسع رحمته ومغفرته- إعداد تقرير عن الخيام المقاومة للحريق الموجودة في مطار الملك عبدالعزيز، وأمر باستبدال خيام منى بهذا النوع قبل موسم الحج التالي، وعندما أوضح معالي وزير المالية الدكتور إبراهيم العساف أن تكلفة المشروع قد تبلغ نحو ملياري ريال، وأن تنفيذه سيكون بالغ الصعوبة في ظل الظروف المالية آنذاك، نظر إليه الملك عبدالله -رحمه الله- قائلاً:
«إن حياة مسلم واحد تساوي أكثر من هذه البلايين، أحضر ورقة وقلماً، وسوف أوقع لك على بياض بتحمل مسؤولية إقامتها».
وسبحان الله، لم تمضِ سوى أشهر حتى ارتفعت أسعار البترول بما غطى تكلفة المشروع، وأنجزت الخيام الجديدة، وهذه هي «البركة» التي مَنَّ الله بها على قيادتنا الحكيمة، فكانت سببا في إقامة مشاريع عملاقة لخدمة ضيوف الرحمن، مثل مشروع الجمرات، وتطوير البنية التحتية، وإنشاء قطار المشاعر، بما يسهم في تسهيل أداء المناسك وضمان سلامة الحجاج.
أما اهتمامي بسكة حديد الحجاز، فقد تجسد في اقتراح تقدمت به إلى المغفور له - بإذن الله- الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز، أمير منطقة المدينة المنورة آنذاك، خلال إحدى زياراتنا إلى محافظة العلا، بأن يعاد إحياء جزء من خط سكة حديد الحجاز الممتد من الحجر إلى مدائن صالح ليكون قطاراً سياحياً أشبه بفندق متحرك، يخدم المنطقة ويعزز الحركة السياحية فيها.
وقبل أن أختم، أعود إلى ما بدأت به منذ سنوات من اهتمام بموضوع النقل، إذ يذكرني ذلك بموقف عايشته في معية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -أسكنه الله فسيح جناته.
ففي أحد الأيام، وأثناء توجهه خارج مدينة الرياض إلى روضة خريم، رأى الكم الهائل من ازدحام السيارات، فقال -رحمه الله-: «قيل لي: إن ازدحام السيارات، بعد عشر سنوات، إذا لم توجد حلول فسيسبب اختناقاً لسائقي السيارات بسبب الحرارة والدخان».
فتدخلت قائلاً: «ربما، يا طويل العمر، بعد خمس سنوات إذا لم توجد حلول» ثم عرضت على مقامه الكريم التجربة التي كانت تدرسها وزارة التربية والتعليم ضمن برنامج تطوير التعليم بالتعاون مع شركة النقل والهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض بشأن مشروع النقل المدرسي، لما يمكن أن يسهم به في التخفيف من الازدحام المروري، إلى جانب ما يحققه من وفرة في التكاليف على الوزارة.
وأثناء حديثنا أشرت إلى مشروع مترو الرياض الذي كانت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز -خادم الحرمين الشريفين- قد أعدته وقدّمته منذ فترة، إلا أنه لم يكن قد صدر قرار بتنفيذه آنذاك.
فنظر إلي -رحمه الله- وقال: «كيف؟ أحضر لي معلومات عنه غداً».
وعلى الفور تواصلت مع الزملاء بالهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، وطلبت منهم تلبية توجيه خادم الحرمين الشريفين، فتم في اليوم التالي إحضار ملف مشروع المترو، وعرضته على مقامه الكريم في اليوم نفسه.
وخلال أسابيع قليلة، عرض المشروع على مجلس الوزراء، وأذكر أنه التفت إلى الأمير سلمان بن عبدالعزيز وقال: «سلمان، أود أن أشكرك، وأن تنقل شكري إلى أبنائي في الهيئة ونأسف لأنه لم يُتخذ قرار بشأن هذا المشروع من قبل، واليوم نسّقوا مع وزير المالية لاتخاذ قرار التنفيذ، ويجب أن يتم ذلك في أقصر وقت» فابتسم الأمير سلمان وقال: «يا طويل العمر، أمير الرياض الآن هو الأمير سطام، وهو رئيس الهيئة فقال: -رحمه الله- «خبر سطام أن يبدأ من اليوم التنسيق لتنفيذ المشروع».
وبالفعل صدر قرار اعتماد المشروع، وهو القرار الذي نرى اليوم ثماره ونتائجه ماثلة في هذا الإنجاز الوطني الكبير الذي أصبح أحد أبرز معالم مدينة الرياض، وأسهم في تطوير منظومة النقل العام وتحسين جودة الحياة.
ما دفعني إلى كتابة هذه السطور اليوم هو ما نتابعه من أخبار سارة عن مشروع سكة حديد بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية، إلى جانب العمل على مشروع القطار الذي يربط بين المنطقتين الغربية والوسطى. كما نرى اليوم النتائج الإيجابية التي حققها قطار المشاعر، والدور المهم الذي تؤديه شبكة مترو الرياض في الإسهام في التخفيف من الازدحام المروري.
ولا شك أن هذه المشاريع العملاقة ستسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني، وترسيخ مكانة المملكة العربية السعودية قلب الجزيرة العربية كما كانت طرق التجارة أن تعيدها مركزاً لوجستيًا عالميًا، وستكون رافدًا أساسيًا لتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، بما ينعكس خيرًا ونماءً على مستقبل الأجيال القادمة.
وأسأل الله أن يوفق قيادتنا الحكيمة، وأن يسدد خطى منسوبي وزارة النقل والخدمات اللوجستية، وأن يبارك في هذه المشاريع النوعية، وأن يجعلها إضافة رائدة لمنظومة النقل والخدمات اللوجستية في مملكتنا الغالية، وأن يديم على بلادنا نعمة الأمن والرخاء والازدهار.