إبراهيم أبوهيف
في التحولات الكبرى التي تعيد صياغة مستقبل الدول، تمتد آثار الحرب من الأرض والمؤسسات إلى الوعي الذي يتشكل داخل المجتمع، وإلى الصورة التي تحملها الأجيال الجديدة عن الدولة والوطن والمستقبل.
واليمن، بعد سنوات طويلة من الصراع، يقف أمام مرحلة يتحدد فيها شكل دولته المقبلة، وقدرتها على استعادة وحدتها وقرارها الوطني، وموقع الأجيال التي نشأت وسط الحرب داخل مشروع البناء القادم.
ومن داخل هذا المشهد، حافظت المملكة العربية السعودية على وحدة اليمن بوصفها أساسًا لاستقراره، وامتدادًا لأمن الجزيرة العربية والبحر الأحمر، وانعكس هذا الثابت في دعم الحكومة ومؤسسات الدولة، ومساندة البنك المركزي والميزانية والرواتب والخدمات، إلى جانب مشروعات الصحة والتعليم والطاقة والمياه والنقل وإزالة الألغام وتأهيل المصابين.
وقد منح هذا الدور المساعدات السعودية خلال عام 2025 والنصف الأول من عام 2026 معنى يتجاوز الاستجابة الإنسانية، إذ أصبحت أداة لحماية الدولة، والحفاظ على ارتباط المواطن بمؤسساتها، وتقوية الروابط التي تجمع المحافظات داخل إطار وطني واحد.
وفي الاتجاه المقابل، بنت إيران حضورها داخل اليمن عبر جماعة الحوثي الإرهابية، وربطت قوة الجماعة بصراعاتها الإقليمية وحساباتها تجاه المملكة والمنطقة، ومع اتساع الحرب خلال عام 2026، تحولت الجغرافيا اليمنية إلى منصة للضغط العسكري وتهديد الملاحة والطاقة، بينما تحمل المجتمع كلفة الجبايات والتجنيد وتعطل الخدمات وتراجع فرص السلام، في مسار يوسع سلطة الجماعة على حساب الدولة، ويدفع جزءًا من اليمن نحو قرار خارجي تتقدم فيه مصالح طهران على مستقبل اليمنيين.
ومع استمرار هذا الصراع، يتشكل داخل اليمن وعي جديد تقوده أجيال عاشت الحرب وتابعت في الوقت نفسه التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، فقد نشأ جيل زد وسط انهيار المؤسسات وتعدد السلطات، بينما يتفتح وعي جيل ألفا داخل بيئة رقمية تمنحه قدرة أوسع على المقارنة بين نموذج الجماعة ونموذج الدولة، وبين اقتصاد الحرب ومشروعات التنمية، وبين خطاب المواجهة الدائمة وتجارب تحول الطموح إلى تعليم وتقنية وفرص وجودة حياة.
ومن هنا تكتسب رؤية المملكة 2030 حضورًا مختلفًا داخل مستقبل اليمن، فهي تقدم للأجيال الجديدة نموذجًا عربيًا قريبًا لدولة أعادت بناء علاقتها بالاقتصاد والمعرفة والإنسان، ووسعت مساحة الشباب داخل مشروعها الوطني، ويمنح هذا النموذج جيل زد وجيل ألفا أفقًا يربط استعادة الدولة بإنهاء سلطة الحوثي، وحماية وحدة البلاد، وبناء اقتصاد ومؤسسات تعيد معنى «اليمن السعيد» إلى الحياة اليومية.
وفي قلب هذا المشهد، تكشف منصات التواصل كيف يعيد اليمنيون ترتيب صورة المملكة وإيران والحوثيين، وكيف تنتقل الأجيال الجديدة من ميراث الحرب إلى فكرة الدولة، بين يدٍ سعودية تجمع وتبني، وذراعٍ إيرانية تفرق وتستنزف، حتى يستعيد اليمن، وحدته، وقراره ومستقبله.
أولًا.. اليمن بين زمنين.. دولة تبحث عن مستقبل وجماعة تعيد إنتاج الحرب
كشف تحليل نحو 3 ملايين منشور خلال فترة الرصد أن النقاش اليمني على منصات التواصل تحرك من متابعة الجبهات والعمليات العسكرية إلى مناقشة شكل الدولة التي يريدها المجتمع بعد الحرب، فقد تقدمت قضايا الرواتب والكهرباء والتعليم والصحة والأسعار وفرص العمل بوصفها معايير للحكم على القوى الفاعلة، وأصبح حضور الدولة في وعي المستخدمين مرتبطًا بقدرتها على الوصول إلى تفاصيل حياتهم، وتأمين احتياجاتهم، وإعادة المجتمع إلى مسار الاستقرار والإنتاج.
وفي مواجهة هذا التحول، استخدمت جماعة الحوثي الإرهابية وبعض القوى الإقليمية اللجان الإلكترونية لمحاولة إعادة النقاش إلى خطاب المواجهة المفتوحة، وشكل محتواها نحو 18.36% من إجمالي المنشورات المرصودة، مع الاعتماد على رسائل متشابهة تربط السيادة بالعمليات العسكرية، وتحمل الخارج مسؤولية أزمات الداخل، غير أن أثرها بقي داخل دوائر مؤيدة ومتقاربة، بينما أعادت منشورات المواطنين النقاش إلى الرواتب المتأخرة، والجبايات، وانقطاع الخدمات، بما كشف اتساع المسافة بين الخطاب الممنهج للجان الإلكترونية والتجربة اليومية للمواطنين.
وتزداد دلالة هذا التحول عند مقارنته بالكلفة التي تركتها الحرب داخل الأرض والإنسان، فقد تجاوز عدد الألغام والعبوات الناسفة التي جرى نزعها 575 ألفًا، فيما تجاوزت الخدمات العلاجية والتأهيلية المقدمة للمصابين 442 ألف خدمة، وهي أرقام تعكس طرقًا ومزارع ومنازل تعطلت، وأسرًا امتدت الحرب إلى قدرتها على العمل والحركة، فتحول إنهاء الصراع من مطلب سياسي إلى ضرورة اجتماعية ترتبط باستعادة الحياة.
وفي الاتجاه الآخر، حضر المحتوى المرتبط بالمشروعات السعودية باعتباره صورة عملية للدولة التي تصل إلى المواطن، فقد تجاوزت مشروعات ومبادرات البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن 229 مشروعًا ومبادرة، ووصل أثرها إلى نحو 14.6 مليون مستفيد داخل 14 محافظة.
وامتدت هذه المقارنة إلى العمل الإنساني، بعدما ارتبط اسم جماعة الحوثي داخل المحتوى المتداول بالسيطرة على المساعدات واحتجاز العاملين فيها، إذ تجاوز عدد الموظفين المحتجزين أو المخفيين من العاملين في الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والبعثات الدبلوماسية 163 موظفًا منذ عام 2014، وأسهمت هذه الممارسات في ترسيخ صورة سلطة تتعامل مع الإغاثة باعتبارها موردًا للنفوذ، بينما ارتبطت المشروعات السعودية بصورة مختلفة تقوم على إعادة الإنسان إلى مدرسته وعمله ومستشفاه ومصدر رزقه.
ومن هنا يكشف التحليل عن يمن يتحرك بين زمنين؛ زمن تحاول فيه الجماعة إبقاء المجتمع داخل التعبئة والجباية وانتظار جولة جديدة من الحرب، وزمن يتشكل داخل وعي اليمنيين حول الدولة والخدمة والتنمية واستعادة الحياة، وقد حاولت اللجان الإلكترونية إبطاء هذا التحول، إلا أن ملايين المنشورات أعادت تعريف القوة من خلال ما يصل إلى المواطن، وأعادت تعريف الدولة من خلال ما تبنيه، ووسعت المسافة بين مشروع يستثمر في استمرار الأزمة، ومشروع يفتح أمام اليمن طريقًا نحو المستقبل.
ثانيًا.. السعودية تعيد بناء معنى الدولة قبل إعمار ما هدمته الحرب
أظهر المحتوى المتداول أن صورة الدولة داخل الوعي اليمني أصبحت تُقاس بقدرتها على حماية العملة، وانتظام الرواتب، واستمرار الكهرباء، ووصول الغذاء والدواء إلى المواطنين، وهو ما جعل الدعم السعودي حاضرًا من خلال أثره المباشر في الحياة اليومية، ومنح المملكة موقع الطرف الذي يحافظ على بقاء المؤسسات اليمنية وقدرتها على أداء وظائفها وسط ضغوط الحرب والانقسام.
وخلال عام 2025 والنصف الأول من عام 2026، تحرك الدعم السعودي داخل ثلاث دوائر مترابطة: حماية الاقتصاد من الانهيار، واستمرار الخدمات العامة، وتوسيع المشروعات التي تصل إلى المواطن، فقد قدمت المملكة في سبتمبر 2025 دعمًا بقيمة 1.38 مليار ريال سعودي للمساهمة في تمويل عجز الموازنة، ثم حزمة أخرى خلال فبراير 2026 بلغت نحو 1.3 مليار ريال لدعم الرواتب والنفقات التشغيلية، إلى جانب مبالغ خُصصت لتسوية متأخرات العاملين في القطاعات العسكرية والأمنية.
واكتسب دعم البنك المركزي اليمني أهمية خاصة داخل النقاش، بعد تخصيص 500 مليون دولار لتعزيز الموازنة وتمويل واردات السلع الأساسية، من بينها 300 مليون دولار كوديعة تساعد في حماية العملة وتخفيف الضغوط على أسعار الغذاء والدواء، كما امتد الدعم إلى قطاع الطاقة بمنحة مشتقات نفطية بلغت 150 مليون دولار خلال مايو 2026 لتشغيل محطات الكهرباء، فتحولت السياسة النقدية ومنح الوقود إلى أدوات تحفظ السوق، والراتب، وساعات تشغيل الخدمة العامة.
وتكشف خريطة المشروعات الإنسانية عن اتساع هذا الدور من حماية الاقتصاد إلى حماية المجتمع، فقد تجاوزت قيمة المشروعات التي نفذها مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية في اليمن 4.78 مليار دولار عبر 1.218 مشروعًا، واستحوذ قطاع الصحة والتغذية على 693 مشروعًا بقيمة تجاوزت 1.07 مليار دولار، بينما بلغت قيمة مشروعات الغذاء والزراعة أكثر من 1.5 مليار دولار عبر 157 مشروعًا، إلى جانب 56 مشروعًا للمياه والإصحاح البيئي بقيمة تقارب 245.8 مليون دولار، و51 مشروعًا للتعليم بقيمة تجاوزت 143.5 مليون دولار.
ومن هنا، يتجاوز الدور السعودي إعادة إعمار ما هدمته الحرب إلى إعادة تأسيس العلاقة بين اليمني ودولته، إذ تحمي المساعدات الاقتصاد من السقوط، وتحافظ المشروعات على تماسك المجتمع، وتمنح المؤسسات فرصة للعودة إلى أداء وظائفها، وتفتح أمام اليمن طريقًا ينتقل فيه الدعم من إنقاذ الحاضر إلى بناء القدرة على المستقبل، لتصبح الدولة في وعي اليمنيين مؤسسة توفر وتحمي وتبني، ويصبح الدعم السعودي أحد الجسور التي تعيد وصل المواطن بوطنه، والمحافظات بدولتها، واليمن بمستقبله.
ثالثًا.. إيران تمد عمر الماضي.. والحوثي يعطل ولادة اليمن الجديد..
حين ترتبط جماعة مسلحة بمشروع إقليمي يتجاوز حدود دولتها، يتحول الصراع من نزاع على السلطة إلى صراع على هوية الدولة وقرارها ومستقبلها، وقد أظهر الرصد أن حضور إيران داخل المحتوى اليمني ارتبط بالأثر الذي تركته علاقتها بالحوثيين على قدرة البلاد على الخروج من الحرب، وعلى المسافة بين مشروع وطني يستعيد مؤسسات الدولة، ومشروع إقليمي يحتاج إلى بقاء الجبهة اليمنية مفتوحة داخل حسابات طهران.
وكشفت المنشورات المتداولة أن الارتباط الحوثي بإيران جاء ضمن أكثر المسارات حضورًا في المحتوى الرافض للجماعة، وارتبط بثلاث صور رئيسية، تحويل اليمن إلى جبهة في الصراع الإقليمي، وتقديم مصالح طهران على احتياجات اليمنيين، واستخدام السواحل والموانئ والممرات البحرية كأدوات للضغط على المملكة والمنطقة، وهو ما نقل صورة الحوثي داخل قطاعات واسعة من النقاش من جماعة يمنية تنازع على الحكم إلى ذراع تتحرك وفق احتياجات مشروع خارجي، وتستمد قيمتها من قدرتها على تهديد الآخرين أكثر مما تستمدها من قدرتها على إدارة المناطق الخاضعة لها.
ومع اتساع الحرب الإقليمية خلال عام 2026، ازدادت هذه الصورة وضوحًا، خاصة عقب إطلاق صاروخ باتجاه المملكة في 13 يوليو، ثم إعلان الجماعة في 20 يوليو ما سمته حصارًا بحريًا على الموانئ السعودية، وهو تصعيد كشف انتقال الحوثي من استنزاف الداخل اليمني إلى توظيف الجغرافيا اليمنية في تهديد أمن المملكة والملاحة والطاقة.
وأظهر تحليل السرديات أن المحتوى المؤيد للجماعة حاول تقديم هذا التصعيد بوصفه تعبيرًا عن القوة والردع، بينما أعادت قطاعات واسعة من المستخدمين اليمنيين توجيه النقاش نحو كلفته على بلد يعتمد جانب كبير من احتياجاته على الواردات والممرات البحرية، فكل تهديد لباب المندب والبحر الأحمر يرفع مخاطر الغذاء والوقود والنقل قبل أن يحقق مكاسب سياسية، وكل توسع في المواجهة يضيف أعباء جديدة إلى مجتمع أنهكته الحرب، وهو ما جعل المنشورات الرافضة للتصعيد تربط بين القرارات الحوثية وارتفاع احتمالات العزلة الاقتصادية واتساع الفقر وتأخر استعادة الدولة.
وامتدت هذه الصورة إلى طريقة إدارة الجماعة للمجال الإنساني، حيث ارتبط اسم الحوثيين داخل الرصد باحتجاز العاملين في المنظمات، والسيطرة على المساعدات، وفرض القيود على وصولها إلى المستفيدين، بما كشف أن المشروع الذي يرفع شعارات حماية اليمن يعطل في الوقت نفسه القنوات التي تحمل الغذاء والدواء إلى مواطنيه.
ومن داخل هذا التناقض، تشكلت على المنصات أربع مسارات رئيسية في قراءة المشروع الحوثي، مسار ربط الجماعة بإيران، ومسار تحميلها مسؤولية استمرار الحرب، ومسار انتقاد توجيه الموارد نحو السلاح والجبايات، ومسار التحذير من أثرها على التعليم والأجيال الجديدة، وقد اجتمعت هذه المسارات حول دلالة واحدة، أن الحوثي يعيد إنتاج البيئة التي تسمح ببقائه، فكلما ضعفت مؤسسات الدولة اتسع نفوذه، وكلما تراجعت الخدمات زادت قدرته على التحكم في المجتمع، وكلما اقترب اليمن من التهدئة أعاد ربطه بصراع إقليمي جديد.
رابعًا.. من يساند اليمن ومن يستخدمه.. الوعي اليمني يعيد ترتيب الصور
في الحروب الممتدة، تتشكل صورة الدول داخل وعي المجتمعات من أثر أدوارها في مصير الدولة، وقد أظهر الرصد أن اليمنيين أعادوا تقييم القوى الإقليمية وفق علاقتها بوحدة البلاد ومؤسساتها وقرارها الوطني، فحضر من يساند الدولة داخل مساحة ترتبط بالاستقرار واستعادة الحياة، بينما ارتبط من يستخدم الأزمة بتوسيع نفوذ الجماعة وإبقاء اليمن داخل الصراع.
وتقدمت المملكة العربية السعودية داخل هذا الوعي بوصفها الدولة الأكثر اتصالًا بتفاصيل الأزمة اليمنية، والأقرب إلى حماية مؤسساتها ومنع انهيارها، وهو حضور تأسس على الجمع بين المساندة السياسية والاقتصادية والإنسانية، وعلى التعامل مع وحدة اليمن باعتبارها جزءًا من أمن الجزيرة العربية، ومن هنا، ارتبطت صورتها بدولة تسند اليمن كي يستعيد قدرته وقراره، أكثر من ارتباطها بدور مؤقت ينتهي مع توقف المواجهات.
وجاءت مصر داخل المحتوى بوصفها امتدادًا للسند العربي للدولة اليمنية، من خلال موقفها الداعم لوحدة البلاد وسلامة أراضيها، وارتباط أمن اليمن بأمن البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس، إلى جانب حضورها التاريخي في التعليم والثقافة وتكوين الكوادر، وقد منحها هذا الرصيد صورة تجمع بين الدعم السياسي والعمق الثقافي وحماية مفهوم الدولة الوطنية داخل محيطها العربي.
وبذلك، ظهر الدور السعودي والمصري داخل الوعي اليمني في مسارين متكاملين، المملكة تتحرك من موقع القرب الجغرافي والمسؤولية المباشرة عن دعم الدولة واستقرار المجتمع، ومصر تحمي الإطار السياسي والوطني والأمني الذي يعيد اليمن إلى موقعه العربي، وهو ما وضع الدولتين داخل صورة القوى التي تعمل على إخراج البلاد من الحرب ومنع تحولها إلى ساحة دائمة للصراعات الإقليمية.
وفي الاتجاه المقابل، تشكلت صورة إيران من خلال علاقتها بجماعة الحوثي الإرهابية، وارتباط حضورها بالسلاح والصواريخ والطائرات المسيّرة والتعبئة، في مقابل غياب أثر يساند الاقتصاد أو التعليم أو الخدمات، وبذلك بدا اليمن داخل المشروع الإيراني جبهة تتحرك وفق احتياجات طهران، وموقعًا للضغط على المملكة وتهديد الملاحة والطاقة، بينما تراجعت احتياجات اليمنيين أمام وظيفة الجماعة داخل الصراع الإقليمي.
ومن هنا، أعاد الوعي اليمني ترتيب صور الدول وفق ما تتركه داخل الدولة نفسها؛ المملكة شريك في حماية المؤسسات، ومصر سند لوحدة اليمن وهويته وأمنه العربي، وإيران قوة تربط البلاد بمشروع يتجاوز حدودها، لتتسع المسافة بين من يساعد اليمن على استعادة دولته، ومن يستخدمه كي يظل جبهة مفتوحة.
خامسًا.. جيل 2030.. من استلهام التحول السعودي إلى صناعة اليمن السعيد
في المجتمعات التي تمتد فيها الحرب عبر أكثر من جيل، يتشكل المستقبل بين شباب عاشوا انهيار المؤسسات، وأطفال يبدأون اكتشاف العالم من خلال المدرسة والأسرة والمنصات الرقمية، وقد أظهر الرصد أن جيل زد وجيل ألفا في اليمن ينظران إلى الدولة من موقعين مختلفين، يجمعهما البحث عن تعليم أفضل، وفرص أوسع، وتقنية أكثر حضورًا، وحياة تخرج من ثقافة الجبهة إلى ثقافة البناء.
نشأ جيل زد اليمني خلال سنوات الصراع، ودخل التعليم الجامعي وسوق العمل وسط ضيق الفرص واتساع الهجرة وتراجع الخدمات، بينما تابع عبر المنصات التحولات التي تشهدها المملكة في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال والسياحة والرياضة والصناعات الثقافية، ومن هنا، حضرت رؤية المملكة 2030 داخل وعيه بوصفها تجربة عربية تربط قوة الدولة بقدرتها على تحويل طاقات الشباب إلى عمل وإنجاز ومشاركة.
وأظهر المحتوى المرتبط بهذا الجيل اهتمامًا بالوظائف والمهارات التقنية والمشروعات الصغيرة والتعليم المتصل بسوق العمل، إلى جانب مقارنات بين سرعة التحول في المملكة وبطء الحياة داخل اليمن، وأصبحت الحرب تُقرأ داخل هذا الوعي باعتبارها فقدانًا للزمن، وتأخيرًا لموقع الشباب داخل الاقتصاد والمعرفة، واستنزافًا لقدرة البلاد على اللحاق بالمنطقة.
أما جيل ألفا، فيتفتح وعيه داخل بيئة رقمية أكثر اتساعًا، ويتابع منذ سنواته الأولى صور المدن الذكية والمدارس الحديثة، والخدمات الرقمية والرياضة والثقافة، وقد ظهر حضوره داخل الرصد من خلال تطلعات الأسر والمعلمين إلى تعليم يحمي الهوية، وينمي المهارات، ويعيد الطفل اليمني إلى بيئة تمنحه المعرفة والثقة والطموح.
ومن داخل هذا التكوين، يكمل الجيلان بعضهما، جيل زد يبحث عن دوره في استعادة الدولة، وجيل ألفا يتشكل وفق البيئة التي ستصنعها الدولة القادمة، الأول جيل الانتقال من الحرب إلى البناء، والثاني جيل الاستقرار القادر على تحويل هذا البناء إلى مسار طويل، وهو ما يمنح الأجيال الجديدة موقعًا مركزيًا داخل مستقبل اليمن.
ويقدم التحول السعودي للجيلين منهجًا للاستلهام يقوم على وضوح الرؤية، والاستثمار في الإنسان، وربط التعليم بالاقتصاد، وإشراك الشباب في صناعة المستقبل، بينما يصنع اليمن تجربته من موقعه وموارده وثقافته واحتياجات مجتمعه. ومن هنا يستعيد «اليمن السعيد» معناه داخل وعي جيل زد وألفا، دولة موحدة، ومؤسسات مستقرة، واقتصاد يفتح الفرص، وتعليم يعيد بناء الإنسان.