«الجزيرة» - وائل العتيبي:
بين الهندسة والفن والعمل التطوعي، اختار بدر المياح أن يجعل من اختلاف المسارات مصدرًا للتكامل، مؤمنًا بأن الهندسة تبني المكان، والثقافة تبني الوعي، والفن يصوغ الذائقة، فيما يحوّل العمل التطوعي المعرفة والخبرة إلى أثر في حياة الآخرين. وفي حواره، يتحدث عن تجربته في تأسيس مجموعة «أساطير الفن التشكيلي»، ورؤيته للتحول الثقافي الذي تعيشه المملكة، ومستقبل الفن التشكيلي السعودي، وطموحه لتحويل المجموعة إلى أكاديمية ومرجع وطني يوثق ذاكرة الفن السعودي.
* من هو بدر المياح بعيدًا عن المنصب والهندسة؟
- رجل بسيط، أسعى إلى تقديم المساعدة للآخرين دون مقابل، وأصف نفسي بثلاث كلمات: البساطة، والعطاء، والمسؤولية.
* كيف انتقلت من الهندسة إلى الثقافة والفن والعمل التطوعي؟
- لم يكن الانتقال تحولًا مفاجئًا، بل امتدادًا طبيعيًا لمسار فكري ووجداني. فقد منحتني الهندسة التفكير المنهجي والدقة والقدرة على تحليل المشكلات، بينما وجدت في الثقافة والفن مساحة للتعبير والمساهمة في تنمية الوعي وإبراز قيمة الإبداع. أما العمل التطوعي، فكان ترجمة لإيماني بأن المعرفة والخبرة تكتملان حين تتحولان إلى أثر إيجابي في حياة الآخرين.
لذلك لا أرى الهندسة والفن والثقافة والعمل التطوعي عوالم منفصلة؛ فالهندسة تبني المكان، والثقافة تبني الوعي، والفن يصوغ الذائقة، والعمل التطوعي يعزز المسؤولية والانتماء.
* ما الذي وجدته في الفن التشكيلي ولم تجده في مجال آخر؟
- وجدت فيه مساحة للتأمل لا تفرض تفسيرًا واحدًا. فأمام اللوحة يحق لكل شخص أن يرى المعنى بطريقته، وهذا ما يمنح الفن خصوصيته؛ إذ يتيح التواصل مع الأفكار والمشاعر بصمت، ويترك أثرًا يستمر حتى بعد مغادرة المعرض.
* ما رسالتك للمشهد الثقافي السعودي؟
- ما نعيشه اليوم فرصة تاريخية تستحق الاستثمار بالعمل الجاد، لا الاكتفاء بالاحتفاء بالمنجزات. فالثقافة مسؤولية مشتركة تبدأ بالإيمان بالمبدع، ودعم الأفكار النوعية، وتنتهي بصناعة أثر يبقى في المجتمع.
وأؤمن بأن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان، وأن الثقافة والفنون ليستا ترفًا، بل عنصران أساسيان في بناء مجتمع أكثر وعيًا، وتعزيز الهوية الوطنية، وصناعة صورة المملكة أمام العالم. وعلينا أن نترك للأجيال القادمة إرثًا ثقافيًا يليق بالنهضة التي تشهدها المملكة.
* كيف تأسست مجموعة «أساطير الفن التشكيلي»؟
- بدأت الفكرة خلال زياراتي للمعارض برفقة شريكة حياتي، الفنانة التشكيلية حصة بنت فهد الدهمش، حيث كنا نسمع كثيرًا عبارة: «لا تنسونا من دعمكم». ومن هنا قررنا استقطاب نخبة من المؤسسين، بينهم الدكتورة هناء بنت راشد الشبلي، رئيسة مجلس إدارة الجمعية السعودية للفنون التشكيلية، والفنان عمر بن عبدالعزيز الجريد، وفنان الوطن خالد الزهيري، والفنان وأحد رواد الكاريكاتير في المملكة عبدالحكيم بامهير.
وتهدف المجموعة إلى جمع الأساتذة والمدربين والمحترفين في منصة واحدة، وتوثيق أعمال الرواد والمواهب، والإعلان عن المعارض والفعاليات، وتبادل الخبرات والنقد الفني البنّاء. كما تضم إعلاميين وإعلاميات، وأخصائيات نفسيات، وقائدات في العمل التطوعي، لتشكّل منظومة ثقافية وفنية متكاملة.
* هل يحتاج المجتمع اليوم إلى الفن أكثر من أي وقت مضى؟
- نعم؛ لأن الفن لم يعد مجرد وسيلة للتعبير الجمالي، بل أصبح عنصرًا فاعلًا في بناء الوعي وتعزيز الهوية وصناعة الحوار الثقافي. وفي ظل التحولات التي تشهدها المملكة، أصبح الفن شريكًا في التنمية؛ يروي قصتنا، ويحفظ ذاكرتنا، ويمنح المبدعين مساحة للمشاركة في صياغة المشهد الثقافي.
فالفن لا يغيّر الجدران التي تُعلّق عليها اللوحات فحسب، بل يغيّر طريقة الإنسان في النظر إلى نفسه والعالم من حوله.
* هل يعيش الفن التشكيلي السعودي عصره الذهبي؟
- أعتقد أننا نعيش مرحلة استثنائية تحمل مقومات العصر الذهبي، لكنني أفضل تسميتها مرحلة التأسيس الحقيقي. فما نشهده اليوم ليس مجرد زيادة في المعارض والفعاليات، بل تحول ثقافي جعل الفن جزءًا من مشروع وطني طموح.
ولدى الفنانين والفنانات السعوديين طاقات إبداعية كبيرة كانت تنتظر البيئة التي تحتضنها وتمنحها فرص الظهور. لكن استمرار هذا الزخم يتطلب منظومة متكاملة تشمل الفنان، والناقد، والجامع، والمؤسسات التعليمية، والجمهور؛ فالعصر الذهبي لا تصنعه اللحظة، بل التراكم والاستدامة.
وأنا متفائل بمستقبل الفن التشكيلي السعودي، بفضل الله، ثم بدعم خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظهما الله، ودعم الجمعية السعودية للفنون التشكيلية برئاسة الدكتورة هناء بنت راشد الشبلي، التي تعمل على دعم الفنانين والفنانات وحفظ حقوقهم.
* كيف يعزز الفن الهوية الوطنية؟
- من خلال توثيق التراث والعمارة والأزياء والحرف والعادات، وتعزيز الانتماء، وإبراز التنوع الثقافي بين مناطق المملكة، وبناء وعي الأجيال الجديدة بالتراث والقيم الوطنية، إلى جانب تقديم صورة أصيلة عن الوطن في المحافل الدولية.
* ماذا تضيف الرحلات الثقافية والسياحية للمشارك؟
- إنها ليست انتقالًا من مكان إلى آخر، بل انتقال في الوعي. فهي تمنح المشارك فرصة لقراءة المكان، واكتشاف قصصه، وربط الماضي بالحاضر. وأحرص على أن تكون تفاعلية، تقوم على الحوار وطرح الأسئلة وتبادل الانطباعات.
وتوسّع هذه الرحلات الأفق الثقافي، وتعزز الانتماء، وتنمي حس التأمل والجمال، وتمنح المشارك ذاكرة جديدة ونظرة أعمق إلى المكان والثقافة.
* ما الموقع التاريخي الذي لم ينل ما يستحقه من الاهتمام؟
- أرى أن قرية الفاو الأثرية تستحق حضورًا أكبر في الوعي الثقافي؛ فهي شاهد على حضارة ازدهرت في قلب الجزيرة العربية، وتحمل تفاصيل إنسانية وفنية وتجارية تستحق أن تُروى للأجيال. والاهتمام بها هو حفظ للماضي، وبناء لعلاقة أعمق مع الهوية الوطنية، واستثمار لها ثقافيًا وسياحيًا.
* أي مدينة سعودية تشبه روحك؟
- أحب جميع مناطق المملكة، لكن عسير تحمل طابعًا قريبًا من روحي بما تجمعه من الأصالة والهدوء والجمال الطبيعي. ويجذبني فيها تراثها المعماري والثقافي، كما في رجال ألمع، وارتباطها بالفنون والحرف التقليدية، وفي مقدمتها «القط العسيري»، إلى جانب دفء المجتمع، والمحافظة على العادات والتقاليد، والتمسك بالفلكلور الجنوبي وتعليمه للأجيال الجديدة.
* كيف تقرأ التحول الثقافي في ظل رؤية 2030؟
- إنه تحول تاريخي أعاد تعريف دور الثقافة والفن في بناء الإنسان والمجتمع. فالمملكة لا تشهد توسعًا في الفعاليات فحسب، بل تحولًا في الوعي بأهمية الثقافة بوصفها عنصرًا أساسيًا في التنمية وجسرًا للتواصل مع العالم.وبالنسبة إلى الفن التشكيلي، أصبحت هذه المرحلة فرصة لإبراز الهوية السعودية بتنوعها وثرائها، حيث يلتقي الموروث المحلي بالتجارب المعاصرة. كما أن رؤية 2030 منحت الثقافة مكانتها المستحقة، ورسّخت حضور المملكة على الخريطة الثقافية العالمية، مع الحفاظ على خصوصيتها وهويتها الوطنية.
* هل منح الإعلام العربي الفن التشكيلي المساحة التي يستحقها؟
- قطع الإعلام العربي شوطًا مهمًا، لكنه لا يزال بحاجة إلى مساحة أوسع توازي قيمة الفن التشكيلي ودوره في تشكيل الوعي. فالفن ليس مجرد خبر عن معرض، بل خطاب بصري يحمل ذاكرة المجتمع ويعكس تحولاته وأسئلته.
نحتاج إلى إعلام متخصص يقرأ العمل التشكيلي بعمق، ويقدم الفنان بوصفه صاحب رؤية وفكر. وأطمح إلى أن تكون اللقاءات مع إعلاميين يمتلكون اطلاعًا وتذوقًا وحضورًا في المعارض والمؤتمرات الفنية، ومعرفة بتاريخ الفنان وتجربته، حتى يُمنح كل فنان وفنانة حقهما من الحوار.
* ما أبرز التحديات التي تواجه الفنان التشكيلي السعودي؟
- من أبرزها بناء سوق فني أكثر نضجًا واستدامة، وتعزيز ثقافة اقتناء الفن، ورفع الوعي بقيمة العمل التشكيلي ودوره في حفظ الذاكرة الوطنية والتعبير عن الهوية السعودية.
كما يحتاج الفنان إلى مواصلة التطوير، ومواكبة التقنيات الحديثة، والانفتاح على التجارب المعاصرة مع الحفاظ على الهوية المحلية، إلى جانب تمكين الفنانين الشباب وتوفير بيئات احترافية للتجريب والإنتاج والعرض.
* كيف يصنع التطوع قادة ثقافيين؟
- التطوع مدرسة لصناعة القيادات؛ فهو يمنح الفرد فرصة الاحتكاك بالمجتمع وفهم احتياجاته وتحويل الأفكار إلى مبادرات. ومن خلال تجربتنا في «أساطير الفن التشكيلي»، نؤمن بأن المتطوع اليوم قائد ثقافي محتمل غدًا؛ لأنه يتعلم التنظيم، وإدارة الفعاليات، وبناء العلاقات، والعمل الجماعي.
فالقائد الثقافي لا يُصنع بالمناصب فقط، بل بالممارسة والعطاء المستمر، ولذلك فإن الاستثمار في المتطوعين هو استثمار في مستقبل الثقافة.
* ما المشروع الذي تحلم بتنفيذه؟
- أحلم بتحويل مجموعة «أساطير الفن التشكيلي» إلى «أكاديمية أساطير الفن التشكيلي»؛ لتضم خبرات الأساتذة والرواد في مختلف المدارس الفنية، إلى جانب المتخصصين في الإعلام وعلم النفس والعمل التطوعي.
وأطمح إلى أن تكون منصة ومرجعًا وطنيًا يوثق تاريخ الفن التشكيلي السعودي، ويحفظ إرث الرواد، ويدعم المواهب الجديدة، ويدرّب الفنانين والإعلاميين والمتطوعين، ويقدم الفن السعودي للعالم بوصفه جزءًا أصيلًا من هويتنا الثقافية.
* كيف توفق بين عملك المهني واهتماماتك الثقافية والتطوعية؟
- أراه تكاملًا بين رسالة واحدة؛ فالعمل المهني يمنح الإنسان الخبرة والانضباط وإدارة الوقت، بينما تمنحه الثقافة والتطوع مساحة للعطاء والتأثير.
وتمنحني عضويتي في «أساطير الفن التشكيلي» فرصة التعلم من أساتذة وأستاذات الفن والإعلام والتطوع، وتبادل الخبرات، وإبراز الطاقات الإبداعية. وعندما يؤمن الإنسان بما يقدمه، يصبح الوقت وسيلة لصناعة الأثر، لا عائقًا أمام الطموح.
* هل خدمت وسائل التواصل الاجتماعي الفن أم أضرّت به؟
- خدمت الفن التشكيلي كثيرًا؛ إذ منحت الفنان مساحة واسعة للوصول إلى الجمهور، وعرّفت بأعمال ربما كانت ستبقى حبيسة المرسم، وفتحت أبواب الحوار بين الفنانين.لكن الفن لا يُقاس بعدد الإعجابات أو سرعة الانتشار، بل بعمق الفكرة وجودة التجربة. لذلك ينبغي أن تكون وسائل التواصل جسرًا لتعزيز الثقافة البصرية، وتعريف المجتمع بالفن، وحفظ الذاكرة التشكيلية، لا بديلًا عن المعرض والتجربة الفنية والنقد المتخصص.
* ما المبادرة التي تعتز بأنها تركت أثرًا حقيقيًا؟
- أعتز بكل مبادرة فتحت نافذة جديدة للفنان التشكيلي، خصوصًا المبادرات التي جمعت بين دعم المبدعين وبناء جسور بينهم وبين المجتمع. وأؤمن بأن قيمة العمل الثقافي لا تقاس بعدد الفعاليات، بل بما يتركه من أثر إنساني ومعرفي.
وطموحنا أن يصبح الفن التشكيلي ثقافة مجتمعية، لا نشاطًا نخبويًا، وأن يجد كل مبدع المساحة التي يستحقها.
* لو مُنحت ميزانية مفتوحة ليوم واحد، فما المشروع الذي ستبدأ به؟
- سأبدأ مشروع «أرشيف الفن السعودي الحي»، لتوثيق مسيرة الفنانين التشكيليين، وحفظ تجارب الرواد، ومنح الفنانين الشباب مساحة للظهور والتطور.
وسيضم المشروع مركزًا فنيًا تفاعليًا، ومنصة رقمية، وبرامج لاكتشاف المواهب في مختلف مناطق المملكة، ليصبح الفن قريبًا من الناس، لا محصورًا داخل الصالات. هدفي مشروع يبقى أثره عقودًا؛ يشعر فيه الفنان بالتقدير، ويجد الإعلام قصة تستحق أن تُروى، ويكتشف المجتمع أن الفن جزء من هويته ومستقبله.
* ما رسالتك للشباب السعودي المهتم بالفن والعمل التطوعي؟
- آمنوا بأن الفن ليس مجرد لوحة، بل رسالة تُبنى بها المجتمعات وتُحفظ بها الذاكرة والهوية. لا تنتظروا الفرص، بل اصنعوها بالشغف والمبادرة والتعلم المستمر.
حافظوا على أصالتكم، وانفتحوا على التجارب العالمية؛ فالفنان الحقيقي يعرف جذوره ويستطيع أن يحاور العالم بلغته الخاصة. واجعلوا من مواهبكم قيمة مضافة لوطنكم، واحرصوا على الانضمام إلى المجموعات الفنية التي تضم أصحاب الخبرة، وتتقبل النقد البناء، وتؤمن بالتعلم المستمر.
* من الفنان أو المدرسة الفنية التي تركت أثرًا في ذائقتك؟
- منذ طفولتي، كنت معجبًا بأحد مؤسسي الفن التشكيلي وأوائل رواده في المملكة، الفنان التشكيلي الأستاذ سعد العبيد، رحمه الله. كنت أراه في الأماكن الشعبية والأثرية، وكان يوصل من خلال أعماله قصص التراث السعودي إلى الأجيال القادمة.
ووفاءً لهذه القامة الفنية، تشرفنا باستقطاب ابنه، الفنان التشكيلي الأستاذ خالد بن سعد العبيد، لإحياء فن والده وإبراز أعماله وإرثه الفني.