د. طلال الحربي
للمدنِ ذاكرةٌ كما للبشر، وذاكرتُها مرصوصةٌ في أسماء شوارعها وميادينها وطرقها. فما من أمةٍ بلغت رشدَها إلا وجعلت من أرصفتها سِجلًّا مفتوحًا تُقلِّب فيه الأجيالُ صفحاتِ مَن مهّدوا لها الدرب، حتى صار المارُّ في تلك المدن يقرأ تاريخَ وطنه وهو يعبر، ويستحضر وجوهَ أهله وهو لا يقصد. وهذه بلادُنا، التي نهضت على سواعد رجالٍ ونساءٍ تركوا في تربتها أثرًا لا يمحوه الزمن، أحرى أن تُخلّد أسماءهم على لافتاتها، فتبقى حاضرةً في الأذهان كما بقيت في الوجدان، وتنتقل من جيلٍ تعِبَ بها إلى جيل يكمل مسرتها.
ومن هنا أرفع إلى أمين منطقة الرياض صاحب السمو الأمير الدكتور فيصل بن عبدالعزيز بن عياف أمين منطقة الرياض، رؤيةً أحسبها جديرةً بالعناية والتبنّي: أن تُعاد قراءةُ خريطة التسمية في قراءةً واعية، تُنصِف مَن يستحقون الإنصاف، وتجعل من كل شارعٍ وميدانٍ وطريقٍ مساحةً للذاكرة الوطنية، لا مجرد رقمٍ في عنوانٍ أو إحداثيةٍ على خريطة. فكم في تاريخنا من عالمٍ نَفَع، وأديبٍ أبدع، وشاعرٍ خلّد، وإمامٍ هدى، وقائدٍ بنى، ومُصلحٍ غيّر؛ وكم فيه من نساءٍ كان لهنّ في العلم والفكر والعطاء قدمُ صدقٍ لا يقلّ عن قدم الرجال. هؤلاء جميعًا أبناءُ هذه الأرض وبناتُها، وقد آن لأسمائهم أن تُكتب حيث تمرّ بها العيون كلَّ صباح.
وإن مما يزيد هذه الفكرة عمقًا ونفعًا أن تُذيَّل الأسماءُ بكلمةٍ أو كلمتين تُعرِّفان بصاحبها وتضعانه في موضعه من التاريخ: «الكاتب»، «الشاعر»، «الشيخ»، «الإمام»، «العالِم»، «الطبيب»، «المُصلح»؛ فلا يمرّ المارُّ باسمٍ مجرّدٍ لا يعرف صاحبه، بل بعَلَمٍ تُختصَر مكانتُه في سطرٍ صغيرٍ تحت اسمه أو إلى جانبه. ولأن أبناءنا أبناءُ عصرٍ رقمي، فما أجمل أن يُوضع بجوار كل اسمٍ رمزٌ مُستجيب «باركود» يَمسحه العابرُ بهاتفه، فيُفضي به إلى صفحةٍ موثّقةٍ تروي سيرة هذا العَلَم: متى عاش، وبِمَ نفع، وأيَّ أثرٍ ترك. وكذا الحالُ في الأماكن التاريخية وأودية المملكة ومعالمها؛ يقف المرء عند الموضع فيقرأ حكايته كاملةً من راحة يده. حينئذٍ نمشي في طرقاتنا وكأننا نتجوّل في متحفٍ مفتوحٍ لا جدران له، يُعلِّم من حيث لا يَشعر، ويُربّي من غير وعظٍ، ويغرس الانتماء في النفوس غرسًا هادئًا عميقًا.
وهذه دعوةً إلى وظيفةٍ حضاريةٍ تنهض بها العواصم الكبرى في العالم؛ إذ تُحوِّل فضاءها العام إلى أداةِ تعليمٍ وتعريفٍ وفخرٍ وطني. وهي رؤيةٌ تتناغم وروحَ «رؤية المملكة 2030» في صناعة مدنٍ نابضةٍ بالحياة والهوية، تجمع بين أصالة الماضي وحداثة الحاضر، وتُعرِّف زائرَها بعُمق هذه الأرض قبل أن تُعرِّفه بعمرانها. فالمدينةُ التي تعرف أبطالها وتُكرِّمهم على أرصفتها، تُنشئ مواطنًا يعرف من أين أتى، فيُحسن أن يعرف إلى أين يمضي.
ولأن الرياضَ قلبُ الوطن وواجهتُه ومنارتُه، فإن البدء بها قبل غيرها من المناطق والمدن هو البدءُ النموذج الأمثل، تحت رعاية أمينها صاحب السمو الأمير الدكتور فيصل بن عبدالعزيز بن عياف، الذي عُرف عنه الحرصُ على تطوير العاصمة وإثراء فضائها العام بما يليق بمكانتها. فإذا انطلقت المبادرةُ من الرياض نموذجًا، ثم تحاكيها مدنُ المملكة مدينةً تلو أخرى، حتى تغدو المملكة كلُّها سِجلًّا مفتوحًا لأبنائها الذين صنعوا مجدها.
إن أملنا كبيرٌ في أن يتبنّى أمين منطقة الرياض هذا التوجه وسوف يجد من معالي وزيرنا النشيط الدعم لهذه المبادرة، ثم لتجد طريقَها إلى التنفيذ، فتبقى أسماءُ من أحبّوا هذه الأرض وخدموها ماثلةً أمام أعين أحفادهم وأحفادِ أحفادهم. فالشعوبُ لا تُقاس بما تبني من حجرٍ وحسب، بل بما تحفظ من ذِكرى، وبما تَصِل من حاضرها بماضيها. ولنا في تكريم الأوفياء وفاءٌ، وفي حفظ أسمائهم درسٌ لكل آتٍ: أن هذه الأرض لا تنسى من أخلص لها، وأنها تُعيد على لافتاتها ما أودعه أبناؤها في وجدانها.