مهدي العبار العنزي
تجاوزت الاتفاقية النووية السلمية بين الرياض وواشنطن حدود «صفقة الطاقة» التقليدية، لتغدو وثيقة إعادة هيكلة جيواقتصادية للمنطقة. إنها ليست مجرد محطة لتوليد الكهرباء، بل هي وضع لـ «نواة التشغيل» (Kernel) التي ستُدار بها محركات المستقبل: من الذكاء الاصطناعي الفائق إلى استقلال سلاسل الإمداد العالمية.
1 - معادلة «السيادة المزدوجة»: النفط الذكي والتخصيب المقنّن
تكمن عبقرية المقاربة السعودية في تحويل الطاقة النووية من «بديل للنفط» إلى «مُمكّن للنفط»:
- تحرير البرميل الاستراتيجي: إن إحلال الكيلوواط النووي محل البرميل النفطي في توليد الكهرباء والتحلية، يعني عملاً حرية توجيه ملايين البراميل يومياً نحو الصناعات البتروكيماوية المعقدة والتصدير، مما يرفع القيمة المضافة لبرميل النفط الواحد أضعافاً مضاعفة.
- السيادة التقنية: تمهيد الطريق لتأطير عمليات التخصيب والوقود النووي داخل أرض المملكة وفق أعلى معايير الحظر والشفافية، يُسقط ورقة الضغوط الخارجية، ويضع الرياض في نادي الدول الممتلكة لدورة الوقود الكاملة.
2 - وقود الذكاء الاصطناعي: المفاعل كـ«بطارية» للمدن الذكية
في العصر الجديد، لن يُقاس ثراء الدول بحجم البيانات فقط، بل بالقدرة على تزويد خوارزميات الذكاء الاصطناعي بالطاقة (Base-load Power):
- مراكز البيانات العملاقة (Data Centers) ومشاريع مثل «نيوم» و»ذا لاين» تتطلب طاقة مستقرة على مدار 24/7 دون انقطاع، وهو ما تعجز عنه المصادر المتجددة التقليدية بمفردها.
- المفاعلات المتقدمة والمصغرة (SMRs) المتضمنة في أفق الاتفاقية ستكون «المولدات الذاتية» التي تُغذي العقول الاصطناعية للمملكة، مما يجعل السعودية الحاضنة الأكثر كفاءة واقتصاديًا لشركات التكنولوجيا العالمية.
3 - إعادة رسم الهندسة الجيوسياسية للشرق الأوسط
على الصعيد الجيواستراتيجي، تُعطي هذه الاتفاقية مكاسب لا يمكن التراجع عنها:
- ربط المصالح الأمريكية العميقة: عبر إدخال كبرى الشركات الأمريكية (مثل Westinghouse) في عقود تشغيلية وتمويلية تمتد لعقود، ترتبط البنية التحتية الحيوية للمملكة بالأمن المالي والتقني الأمريكي، مما يضمن التزاماً أمنياً وتكنولوجياً واشنطنياً غير قابل للتذبذب مع تغير الإدارات.
- التفوق التقني الإقليمي: ترفع الاتفاقية الفجوة التكنولوجية بين المملكة وبقية الإقليم، حيث تنتقل الرياض من دولة مُستهلكة للتقنية إلى دولة تُوطّن معارف الفيزياء النووية، والهيدروجين النظيف، وصناعات التحلية الحرارية المتقدمة.
خاتمة ودعاء
إن هذه المنجزات الاستثنائية والخطى الاستراتيجية الجريئة لم تكن لتتحقق لولا توفيق الله عز وجل، ثم الرؤية السديدة والحكمة البالغة لولاة أمرنا -أيدهم الله- الذين سخروا كل الإمكانات، وتجاوزوا كل التحديات، ليبقى هذا الوطن شامخاً عزيزاً، ويحظى المواطن السعودي بالرفعة والازدهار بين أمم الأرض. «اللهم احفظ خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين، ووفقهما لكل ما فيه خير البلاد والعباد، وأعزّ بهما الإسلام والمسلمين. اللهم أدم على وطننا العظيم أمنه وأمانه، واستقراره ورخاءه، واجزِ ولاة أمرنا عنا وعن الوطن خير الجزاء على كل ما يقدمونه لرفعة هذه الأرض المباركة وصون كرامة أبنائها، واجعل مسعاهم دائماً مسدداً ومباركاً».