د. سطام بن عبدالله آل سعد
قد يبدو ارتفاع عدد الاتحادات الرياضية إلى 73 اتحادًا مؤشرًا على تنوع الألعاب واتساع النشاط الرياضي، غير أن هذا التوسع لا يعني بالضرورة جودة المخرجات أو تحقيق إنجازات دولية، فنجاح المنظومة الرياضية لا يُقاس بعدد اتحاداتها، وإنما بما تحققه من أبطال وبطولات، وما تقدمه من إسهام فاعل في المجتمع والاقتصاد الرياضي.
وإذا كان النجاح يُقاس بالنتائج لا بعدد الاتحادات، فإن كفاءة توظيف الموارد المالية تصبح معيارًا أساسيًا للتقييم، فعندما تتوزع الميزانيات على عشرات الاتحادات واللجان، فإن جزءًا كبيراً من الموارد يُخصص للجوانب المؤسسية والتشغيلية؛ مثل مجالس الإدارات، والموظفين، والمقار، والموازنات التشغيلية، والاجتماعات، والتقارير، والمواقع الإلكترونية. ومن ثم، ينبغي أن ينعكس هذا الاستثمار في الكيانات الإدارية على تطوير الرياضات وتحقيق إنجازات رياضية ملموسة تتناسب مع حجم الموارد المخصصة لها.
ومن منظور الحوكمة وكفاءة الإنفاق، فإن إنشاء اتحاد مستقل لكل رياضة يستحق إعادة التقييم، فهناك ألعاب ذات قاعدة جماهيرية محدودة جدًا، وعدد ممارسيها قليل، وحضورها الإعلامي شبه معدوم، ولا تملك فرصًا حقيقية لصناعة أبطال، أو جذب الرعاة، أو تحقيق قيمة مضافة للقطاع الرياضي؛ مما يجعل النظر في جدوى استمرار بعض الاتحادات الرياضية أمرًا مشروعًا.
ولعل ذلك يتضح من خلال بعض الأمثلة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، توجد اتحادات رياضية لا تحظى بحضور جماهيري واسع، وقد لا يعرفها كثير من المهتمين بالشأن الرياضي، فضلًا عن عموم المجتمع، ومنها: الاتحاد السعودي للبولو، والاتحاد السعودي للتجديف، والاتحاد السعودي للملاحة الشراعية، والاتحاد السعودي للكريكيت، والاتحاد السعودي لكرة المناورة، والاتحاد السعودي للمنطاد، والاتحاد السعودي للهوكي، والاتحاد السعودي للخماسي الحديث، والاتحاد السعودي للأكروس، والاتحاد السعودي للكانو والكاياك، والاتحاد السعودي للرقبي، وذكر هذه الأمثلة لا ينتقص من قيمة هذه الرياضات أو ممارسيها، وإنما يوضح أن اختلاف حجم الرياضات يفرض مراجعة النموذج الإداري الأنسب لكل منها.
إن الإدارة الحديثة لا تنطلق من المحافظة على الهياكل الإدارية، بل من مراجعة الحاجة إليها بصورة دورية، فإذا كانت النتائج محدودة لسنوات، والمشاركة المجتمعية ضعيفة، والعائد الرياضي أو الاقتصادي ضئيلا، فإن دمج بعض الاتحادات، أو تحويل بعضها إلى لجان متخصصة، أو إعادة هيكلة منظومتها، أو إلغاءها، يصبح خيارًا إداريًا يستحق الدراسة.
وحتى تكون هذه المراجعة موضوعية، ينبغي قياس أداء الاتحادات بمؤشرات واضحة، تشمل عدد الممارسين، ونمو القاعدة السنية، والإنجازات الدولية، والاستدامة المالية، وحجم الرعاية التجارية، والأثر المجتمعي، إلى جانب فاعليتها المؤسسية، وجودة خدماتها الرقمية، ومستوى تواصلها مع المجتمع.
فالرياضة اليوم صناعة تنافسية، والاستثمار فيها يقوم على توجيه الموارد إلى المجالات ذات الأثر الأكبر، وعندما تحقق لعبة انتشارًا واسعًا، أو تمتلك فرصًا حقيقية للمنافسة العالمية، أو تسهم في بناء اقتصاد رياضي، فإنها تستحق أولوية أكبر في التمويل والتطوير. أما توزيع الموارد على ألعاب كثيرة، من دون مراعاة تفاوتها في الحجم والأثر والفرص التنافسية، فقد يؤدي إلى تشتيت الجهود والميزانيات، وإضعاف فرص تحقيق إنجازات كبرى في الرياضات التي تمتلك مقومات النجاح، لذلك، يبقى الكيف دائمًا أهم من الكم.