محمد بن عبدالعزيز السالم
يخطئ بعض المسؤولين عندما يظنون أن كثرة الملتفين حولهم دليل مودة ومحبة. فالواقع يثبت أن للمنصب هالة اجتماعية تصل حدود لفت أعناق أصحاب المصالح قبل أصحاب المبادئ. وكلما ارتفع المنصب، ازداد عدد المهنئين والزائرين وطالبي القرب، حتى يظن بعض المسئولين بأنهم محور اهتمام الجميع. لكن الأيام كفيلة بكشف الحقيقة. فما إن تنتهي مدة المنصب أو يحال المسؤول إلى التقاعد أو ينتقل إلى موقع آخر، حتى تتغير الوجوه وتتضاءل الاتصالات، ويختفي كثير ممن كانوا يملؤون المجالس بالثناء والمديح. وليس السبب أنهم تغيروا فجأة، بل لأنهم كانوا مرتبطين بالمنصب أكثر من ارتباطهم بصاحبه، ولذلك تحولت البوصلة بحكم العادة للمسؤول الجديد بحثًا عن مصالح جديدة. هذا لا يعني أن جميع الناس أصحاب مصالح، فهناك رجال أوفياء يثبتون في أوقات القوة والضعف، ويستمرون في علاقاتهم لأنها بُنيت على الاحترام والمحبة الصادقة، لا على المنافع المؤقتة. وهؤلاء هم الثروة الحقيقية التي ينبغي المحافظة عليها.
إن المنصب أمانة قبل أن يكون وجاهة، وتكليف قبل أن يكون تشريفًا. ومن الحكمة أن يدرك كل مسؤول أن الكرسي لا يدوم لأحد، وأن القيمة الحقيقية للإنسان ليست فيما يملكه من سلطة، بل فيما يتركه من أثر طيب وسيرة حسنة وعدل بين الناس.
قال الله تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من تواضع لله رفعه الله».
فليكن المنصب وسيلة لخدمة الناس، لا سببًا للغرور، ولنتذكر دائمًا أن من أحبك لمنصبك سيرحل برحيل المنصب، أما من أحبك لخلقك فسيبقى بجانبك، لأن الأخلاق هي المنصب الوحيد الذي لا يتقاعد فينتهي بانتهاء الوظيفة.