د. يحيى جابر
في عام 2025 تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت في العالم 5.5 مليار مستخدم، فيما تجاوز عدد مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي 5.2 مليار مستخدم، الأمر الذي جعل المشاهد يمتلك خيارات لا حصر لها، وأصبحت المنافسة بين البرامج الإعلامية تعتمد على جودة المحتوى أكثر من اعتمادها على قوة البث أو شهرة القناة، وفي ظل هذا الواقع، لم يعد نجاح البرنامج يقاس بعدد حلقاته فحسب، بل بقدرته على الاحتفاظ بالجمهور وصناعة أثر حقيقي في الرأي العام، وهو ما أشار إليه معهد الجزيرة للإعلام، عرض تقرير الأخبار الرقمية الصادر عن معهد رويترز، 2025م، ويؤكد تاريخ الإعلام أن أولى التجارب الناجحة لم تحقق انتشارها بفضل الإمكانات الضخمة، بل بسبب الفكرة المهنية، ويُعد برنامج «لقاء الصحافة» الذي انطلق في الولايات المتحدة عام 1947 أقدم برنامج حواري تلفزيوني مستمر في العالم، واستطاع أن يحافظ على مكانته لأكثر من 75 عامًا عبر الالتزام بالمهنية واستضافة الشخصيات المؤثرة ومناقشة القضايا العامة بعمق، حتى أصبح نموذجًا يُدرّس في العمل التلفزيوني حتى دخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية، وتشير الأدبيات الإعلامية إلى أن مرحلة الإعداد تمثل ما يقارب 70 % من نجاح البرنامج، لأنها تشمل دراسة الجمهور، وتحديد الرسالة الإعلامية، واختيار أسلوب المعالجة، وبناء المحتوى بما يتناسب مع اهتمامات المتلقي، بينما تتوزع النسبة المتبقية على التقديم والإخراج والعناصر الفنية، ولهذا تفشل معظم البرامج رغم ارتفاع ميزانياتها، في حين تنجح برامج أخرى بإمكانات أقل نتيجة جودة التخطيط والإعداد، كما أظهرت تقارير معهد رويترز لدراسة الصحافة، أن المصداقية أصبحت العامل الأكثر تأثيرًا في استمرار الجمهور مع البرامج الإخبارية والحوارية، متقدمة على شهرة المقدم أو التقنيات المستخدمة، وهو ما يفسر استمرار بعض البرامج لعقود واختفاء برامج أخرى خلال سنوات قليلة، وتتفق خبرات المؤسسات الإعلامية العالمية على أن البرنامج الناجح يجمع بين فكرة واضحة، ومعلومات موثقة، وأسلوب عرض مشوق، ومقدم يمتلك المعرفة والكاريزما، مع تطوير مستمر يواكب تغير اهتمامات الجمهور، لذلك أصبحت البرامج الناجحة تمثل استثمارًا طويل الأمد للمؤسسات الإعلامية، وتسهم في بناء الثقة وتعزيز الوعي، وهو الهدف الذي تسعى إليه وسائل الإعلام المهنية في مختلف دول العالم، وتتعدد العوامل التي تصنع نجاح البرامج الإعلامية، إلا أنالدراسات تجمع على أن المحتوى يظل العنصر الحاسم في استمرارية أي برنامج، فالجمهور قد ينجذب إلى الإعلان أو شهرة المقدم في الحلقة الأولى، لكنه لا يستمر في المتابعة إلا إذا وجد محتوى يضيف إليه معرفة أو يحل مشكلة أو يقدم تجربة ممتعة، لذلك تحرص المؤسسات الإعلامية الكبرى على الاستثمار في فرق الإعداد والبحث أكثر من التركيز على الجوانب الشكلية فقط، وتأتي المصداقية في مقدمة عوامل النجاح، إذ يوضح تقرير الأخبار الرقمية 2025م، أن ثقة الجمهور بالمؤسسة الإعلامية تعد من أهم أسباب الاستمرار في المتابعة، في حين يؤدي نشر المعلومات غير الدقيقة أو المبالغة في الإثارة إلى تراجع نسب المشاهدة وفقدان الولاء مع مرور الوقت، ويُعد الإعداد الاحترافي أساس أي برنامج ناجح، إذ تبدأ العملية بدراسة الجمهور المستهدف، وتحليل اهتماماته، وتحديد الرسالة الإعلامية، ثم اختيار الضيوف بشكل دقيق حيث إنه زاوية النجاح الأهم، ومن ثم صياغة الأسئلة، وإعداد التقارير المساندة، ووضع خطة زمنية دقيقة للحلقة، وتشير المراجع المتخصصة إلى أن الإعداد الجيد يختصر كثيرًا من الأخطاء التي قد تظهر أثناء البث، ويرفع من جودة الحوار والإنتاج، ومن العناصر المهمة أيضًا حسن اختيار مقدم البرنامج، فالمذيع لا يقتصر دوره على قراءة الأسئلة، بل يمثل هوية البرنامج وصورته الذهنية أمام الجمهور، لذلك تعتمد القنوات الكبرى على مقدمي برامج يمتلكون الثقافة العامة، وسرعة البديهة، والقدرة على إدارة الحوار، واحترام الضيف، والتعامل مع المواقف المفاجئة باحترافية وواقعية، وشخصية المذيع تمثل شخصية القناة والبرنامج فمتى ما كان مهزوزاً تهتز صورة المؤسسة الإعلامية والعكس، كما أصبح التفاعل مع الجمهور عنصرًا رئيسيًا في نجاح البرامج الحديثة، إذ لم يعد المشاهد متلقيًا سلبيًا، بل يشارك برأيه عبر المنصات الرقمية، ويقترح الموضوعات، ويعلق على الحلقات، وهو ما يمنح القائمين على البرامج مؤشرات مستمرة لتطوير المحتوى وتحسينه. «المصدر - اليونسكو، الإعلام والتحول الرقمي».
تقدم التجارب العربية نماذج بارزة لبرامج نجحت بفضل جودة الفكرة والاستمرارية، كما استطاعت برامج وثائقية وحوارية وثقافية في عدد من القنوات العربية أن تحقق انتشارًا واسعًا لأنها اعتمدت على المعلومة الدقيقة، والإعداد العميق، واحترام عقل المشاهد، بعيدًا عن الإثارة المؤقتة، وفي المملكة العربية السعودية شهد قطاع الإعلام تحولًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، مدعومًا بمستهدفات رؤية السعودية 2030، التي ركزت على تطوير صناعة الإعلام، ورفع جودة المحتوى، وتعزيز الإنتاج الوطني، وتمكين الكفاءات الإعلامية، مما أسهم في ظهور برامج أكثر احترافية وقدرة على المنافسة محليًا وعربيًا، «المصدر - رؤية السعودية 2030، وهيئة الإذاعة والتلفزيون السعودية».
أيضاً لعبت أكاديمية هيئة الإذاعة والتلفزيون دوراً جيداً في تنشيط ذاكرة العاملين في الهيئة وتطوير إمكاناتهم من خلال دورات وورش عمل يحاضر فيها أكاديميون متخصصون في مجال الإعلام، ومن البرامج الجاذبة في هيئة الإذاعة والتلفزيون برنامج الإعلامي السعودي صلاح الغيدان الذي اكتسب مصداقية ونجاحاً مميزاً، بسبب قوة مقدم البرنامج ومهارة الإعداد.
وتؤكد التجارب العالمية أن البرنامج الناجح ليس الذي يحقق أعلى نسبة مشاهدة في أسبوع أو شهر، بل الذي ينجح في بناء علاقة طويلة الأمد مع جمهوره، ويحافظ على جودة المحتوى، ويطور أدواته باستمرار دون أن يفقد هويته، ولهذا بقيت بعض البرامج لعشرات السنين، بينما اختفت أخرى رغم ما أُنفق عليها من ميزانيات كبيرة، لأن الجمهور في النهاية يمنح ثقته للمحتوى الصادق والهادف قبل أي عنصر آخر.
كما تكشف تجارب الإعلام العالمي أن النجاح لا يرتبط بنوع البرنامج بقدر ارتباطه بمدى إشباعه لحاجات الجمهور باتزان، فالبرامج الإخبارية تنجح عندما تقدم المعلومة بسرعة ودقة، والبرامج الحوارية تنجح عندما تطرح الأسئلة التي تدور في أذهان المشاهدين، بينما تحقق البرامج الوثائقية نجاحًا عندما تحول المعلومات الجافة إلى قصص بصرية مشوقة، أما البرامج الترفيهية فلا يكفي أن تثير الضحك أو المتعة، بل يجب أن تحافظ على قيم المجتمع وتحترم ذائقة الجمهور، لأن الاستمرار لا يتحقق بالإثارة المؤقتة وإنما ببناء علاقة ثقة طويلة الأمد، فيما تنجح البرامج الرياضية بالحياد والواقعية واستضافة المؤهلين تأهيلاً عالياً في التخصص من الناحية العلمية والعملية، لأن المشاهد ذكي ومثقف يفهم ما يجري ويريد الأفضل دون تهريج وتعصب، وقد أثبتت الدراسات أن الصورة والإخراج والإضاءة والمؤثرات الصوتية عناصر مؤثرة في جذب الانتباه، لكنها لا تستطيع تعويض ضعف المحتوى، وتشير أبحاث الاتصال إلى أن المشاهد قد ينجذب في البداية إلى جودة الصورة، إلا أن استمراره في المتابعة يعتمد على قيمة المعلومة، وقوة الحوار، وثراء الضيف، وتسلسل الأفكار، ولذلك تستثمر المؤسسات الإعلامية الكبرى في فرق البحث والإعداد أكثر من استثمارها في الديكورات والمؤثرات البصرية.
كما أصبح تحليل البيانات جزءًا أساسيًا من صناعة البرامج الحديثة، حيث تعتمد المؤسسات الإعلامية على مؤشرات مثل مدة المشاهدة، ونسبة الاحتفاظ بالمشاهد، وعدد المشاركات والتعليقات، وأوقات الذروة، لمعرفة نقاط القوة والضعف في كل حلقة، وتسهم هذه المؤشرات في تطوير المحتوى بصورة مستمرة، واتخاذ قرارات مبنية على البيانات بدلاً من الاجتهاد الشخصي، «المصدر- هيئة الإذاعة والتلفزيون السعودية، وتقارير الإعلام الرقمي».
ومن أبرز الأخطاء التي تؤدي إلى فشل البرامج الإعلامية غياب التخطيط، وضعف الإعداد، وعدم معرفة الجمهور المستهدف، والإطالة غير المبررة، وتكرار الضيوف والموضوعات، والتركيز على الإثارة بدلاً من المعلومة، إضافة إلى تجاهل التغذية الراجعة من الجمهور، وتهريج بعض مقدمي البرامج وتأطير البرنامج لنفسه وزاوية محددة، وقد أثبتت تجارب إعلامية عديدة أن هذه العوامل كانت سببًا في توقف برامج رغم بداياتها القوية، وتفرض البيئة الإعلامية الحالية تحديًا جديدًا يتمثل في المنافسة مع المنصات الرقمية، إذ لم يعد البرنامج ينافس القنوات التلفزيونية فقط، بل ينافس ملايين المقاطع القصيرة التي تُنشر يوميًا، لذلك أصبحت البرامج الناجحة توظف المنصات الرقمية لنشر مقتطفات مختصرة، وإشراك الجمهور، والترويج للحلقات، وتحويل المشاهد من متابع عابر إلى جمهور دائم.
أخيراً: يبقى نجاح أي برنامج إعلامي نتيجة منظومة متكاملة تبدأ بفكرة مبتكرة، وتمر بإعداد علمي دقيق، وتنفيذ احترافي، وتقييم مستمر، مع الالتزام بالمصداقية واحترام عقل المشاهد، فالتقنيات تتطور، والمنصات تتغير، لكن المحتوى الجيد يظل العامل الأكثر قدرة على صناعة التأثير، وبناء الثقة، وتحقيق الاستمرار، وهو ما تؤكده التجارب الإعلامية الناجحة في مختلف أنحاء العالم، ويجعل من الاستثمار في جودة المحتوى الخيار الأكثر ربحًا واستدامة للمؤسسات الإعلامية.