عبدالله بن عبيد الشهراني
كنت في الحادية والخمسين من عمري، وكانت ابنتي بالكاد قد أتمّت عامها الثاني. جلست أمام شاشة التلفاز مستغرقةً في عالم الرسوم المتحركة، تبتسم لشخصيات لا تعرف عنها شيئًا، لكنها وجدت فيها ما يكفي لتمنحها كامل انتباهها الصغير. كان اندماجها في المشهد كاملًا؛ فالطفل لا يقف خارج اللحظة ليتأملها كما نفعل نحن، بل يدخل فيها بكل كيانه؛ لا يحمل ماضيًا يثقل قلبه، ولا مستقبلًا يقلقه.
وفجأة، غيّر إخوتها القناة.
التفتت إلى الشاشة كأن العالم قد خانها للمرة الأولى. ضمّت يديها الصغيرتين إلى صدرها، وانكمشت في مكانها، ثم انهمرت دموعها على وجنتيها الغضتين. لم تكن تعرف كيف تحتج، أو تفاوض، أو تشرح حجم الكارثة التي ألمّت بعالمها الصغير؛ فلم تجد سوى البكاء لغةً تعبّر بها عن وجعها.
جذبتها إليّ وهي تنتحب، وأسندت رأسها الصغير إلى صدري. ابتسمت أولًا لأحزان الطفولة البريئة؛ فما أصغر المصائب التي تُسقط الأطفال، وما أسرع زوالها. لكن ابتسامتي سرعان ما تلاشت، وتحولت مواساتي الصامتة إلى حديث طويل دار في داخلي، موجّهًا إليها:
لن تكون هذه أكبر مشكلاتك يا ابنتي.
سيأتي يوم تتمنين فيه لو أن أقسى ما واجهته في الحياة كان قناةً غيّرها إخوتك. ستكبرين، وستخرجين من هذا البيت إلى عالم لا يكتفي بتغيير القنوات التي تشاهدينها، بل سيحاول تغيير القناة التي تنظرين من خلالها إلى نفسك، وإلى أسرتك، وإلى الرجل، وإلى العمل، وإلى الحياة كلها. وربما لن أكون موجودًا حين يحدث ذلك.
لن أكون إلى جوارك حين تبدأ المنظومات التعليمية والإعلامية والتنظيمية المعولمة في إعادة تشكيل وعيك داخل ذلك الرأس الجميل، فتغرس فيه تعريفات جاهزة للنجاح والحرية والسعادة، ويقال لك إن قيمة الإنسان تُقاس بما ينجزه ويملكه، وإن عمره هو ما ينتجه، وإن مكانته تتحدد بما يضيفه إلى سيرته الذاتية.
ستكبرين في عالم يعلّم الإنسان أن يقول «أنا» أكثر مما يقول «نحن»، ويقنعه بأن حاجته إلى الآخرين ضعف، وأن الحرية لا تكتمل إلا حين يتحرر من كل علاقة تفرض عليه واجبًا أو تضحية. لكنهم لن يقولوا لك إن الإنسان الذي لا يحتاج إلى أحد ليس بالضرورة حرًا؛ فقد يكون وحيدًا، فردانيًا، هشًّا أمام السوق والمنظمة.
ستدخلين فضاء وسائل التواصل الاجتماعي، المشبع بخطاب نسوي علماني غير بريء في منطلقاته ومآلاته؛ فهو لا يقف عند المطالبة بالعدل للمرأة ــ وهو مطلب مشروع لا خلاف عليه ــ بل يعيد تعريفها بوصفها فردًا منفصلًا عن روابطه ومسؤولياته. وقد يقال لك إن أدوارك زوجةً وأمًّا تنتقص من ذاتك، وإن التضحية من أجل الأسرة تنازل عن وجودك؛ بينما يُقدَّم استهلاك عمرك داخل المنظمة، تحت ضغط المؤشرات والمواعيد، بوصفه استقلالًا وتمكينًا.
قد يُصوَّر العمل المنزلي عبودية، بينما يُقدَّم الارتهان الكامل للوظيفة في صورة حرية، وتُعدّ رعاية الطفل تعطيلًا للطموح، في حين يُسمّى الغياب عنه ساعات طويلة من أجل أهداف المنظمة بناءً للذات.
ولست أخشى عليك من التعليم أو العمل أو النجاح؛ فالعلم قوة، والعمل كرامة، والنجاح مطلب. لكنني أخشى عليك من منظومة لا تمنحك هذه الأشياء إلا بعد أن تعيد تعريفها بما يخدم حاجاتها، لا بما يحقق إنسانيتك أنت.
ولن تأتيك هذه الأفكار غالبًا في صورة أوامر صريحة، بل في قصص نجاح منتقاة، وأفلام، وإعلانات، وصور لامعة في وسائل التواصل، تعرض أجمل اللحظات وتخفي أثمانها من الأعمار والعلاقات. وقد تُدفعين إلى مقارنة حياتك الواقعية بصور الآخرين المصنوعة بعناية، حتى يتحول الامتنان إلى مطالبة دائمة، والقناعة إلى إحساس بالحرمان.
وقد يُعاد تعريف الرجل أيضًا؛ فلا يُقدَّم بوصفه زوجًا وأبًا يتحمل مسؤولية بيته ويحفظ كرامة أسرته، بل قد يُقاس بقدرته على تمويل نمط استهلاكي يتسع باستمرار. فإذا قدّم احتياجات أسرته على رغبته في إبهار الناس، وارتضى ثوبًا متواضعًا أو سيارة قديمة، فقد يوصف بالبخل أو ضعف الطموح.
وقد لا تدركين يا ابنتي أن تحالف الفردانية مع منطق السوق يصنع عالمًا لا يكافئ المرأة القانعة ولا الرجل الزاهد؛ لأن القناعة تقلل حاجتنا إلى الشراء، والأسرة المتراحمة تحدّ من ارتهان أفرادها للسوق. فالمرأة التي تعرف قيمتها في ذاتها لا تحتاج إلى شراء هوية جديدة كل موسم، والرجل الذي يجد مكانته في رعاية بيته لا يحتاج إلى إثباتها بكثرة ما يملك.
سيدرّبك السوق على ألا تشبعي؛ فكلما امتلكتِ شيئًا صنع لك رغبةً جديدة، حتى تشعري أن ما لديك لم يعد كافيًا. فالاستهلاكية لا تبيعنا السلع فقط، بل تبيعنا تصورات عن ذواتنا، وكأن منطق العصر لم يعد: «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، بل أصبح: «أنا أستهلك، إذن أنا موجود». اشترِ لكي تكوني، وامتلكي لكي تستحقي؛ لأن غاية السوق ليست سدّ الشعور بالنقص، بل إعادة إنتاجه باستمرار.
ثم ستدخلين إلى منظمات تتحدث كثيرًا عن الإنسان، لكنها كثيرًا ما تختزله في كونه موردًا أو وحدةً من رأس المال البشري. ستتحول ساعات عمرك إلى وحدات قابلة للقياس، وجهودك إلى نسب أداء، ومشاعرك إلى متغيرات ينبغي ضبطها وإدارتها حتى لا تعوق الإنتاج.
قد يسمون المنظمة «أسرة»، مع أن العلاقة داخلها لا تقوم عادة على منطق الأسرة التراحمي؛ فالأسرة تحتمل ضعفك، وتبقيك حين تقل فائدتك، وتحنو عليك حين تتراجع قدرتك، أما المنظمة الحديثة فتقوم في جوهرها على التعاقدية: تمنحك ما دمت تمنحها، وتحتفظ بك ما دمت تضيف قيمة، ثم تعيد النظر في وجودك عندما تصبح تكلفتك أعلى من منفعتك.
إنها علاقة لا تسألك أولًا: كيف حال قلبك؟ بل تسأل: ماذا أنجزت؟ وماذا أضفت إلى المنظمة؟ وحين يطغى منطق المنفعة، قد تنظر إليك لا بوصفك إنسانًا كاملًا، بل بوصفك أداةً للعمل؛ نظرةً تعيد، في صورة حديثة، شيئًا من منطق السيد الذي لا يرى في تابعه إلا مقدار ما ينتجه.
والمشكلة ليست في العقود أو التنظيم أو مؤشرات الأداء؛ فالحياة الحديثة لا تستقيم من دونها. لكن الإشكال يبدأ حين لا تعود هذه الأدوات وسيلةً لتنظيم العمل، بل تصبح معيارًا للحكم على قيمة الإنسان. عندها لا يُنظر إليه بما يحمله من كرامة ومشاعر وعلاقات، بل بمقدار ما يحقق من منفعة وعائد؛ فتُقاس العلاقات بما تقدمه من مكاسب، وتُعامل التضحية كخسارة، ويصبح الوفاء بلا مقابل سلوكًا غير مفهوم.
وعندئذ تنتقل التعاقدية من المنظمة إلى المجتمع، ومنه إلى الأسرة، حتى يقيس المرء علاقاته بحجم المنافع، ويغادرها حين يشعر بأن العائد لم يعد كافيًا. وتصبح العلاقة بين الرجل والمرأة دفترًا للحقوق والواجبات، لا ميثاقًا للمودة والرحمة، ويصبح السؤال الدائم: ماذا حصلتُ؟ بدلًا من: ماذا بنينا معًا؟
ولعلّك تقرئين هذه الكلمات يومًا حين لا تجدينني إلى جوارك، فتدركين ما كنت أود أن أحدثك عنه: المقابل الأخلاقي للتعاقدية، وهو التراحمية.
وتذكّري يا ابنتي أن التراحمية لا تعني التنازل عن الحقوق، ولا تبرير الظلم أو التبعية، بل تعني أن تظل الرحمة حاضرةً في العلاقات، حتى لا تتحول الحقوق إلى أنانية، ولا تتحول الواجبات إلى استعباد. فالعقد يحدد ما يجب على كل طرف أن يقدمه، أما الرحمة فتعلّم الإنسان ما يليق به أن يبذله حين لا تكفي نصوص العقود.
وفي هذا المنظور، لا تكون المرأة مجرد قوة عمل أو قوة شرائية، كما لا تكون تابعًا منزوع الإرادة، بل إنسانةً تتكامل أدوارها؛ فلا يلغي نجاحها المهني أمومتها، ولا تلغي الأسرة ذاتها، ولا تُختزل كرامتها في راتب، كما لا تُختزل في دور واحد.
غير أن المنظومة الاستهلاكية لا تستفيد من هذا التكامل بقدر ما تستفيد من تفكيكه؛ لأنها تحتاج إلى فرد منفصل عن جماعته، ضعيف الصلة بأسرته، دائم القلق على صورته ومكانته، يسهل توجيهه بالإعلان، وإخضاعه بالراتب، واستنزافه بالمنافسة.
ومن هنا تصبح الأسرة أكثر من مجرد وحدة اجتماعية؛ إنها خط دفاع يحمي الإنسان من أن يقف عاريًا أمام السوق والمنظمة. فهي تمنحه معنى لا تشتريه الوظيفة، ومكانة لا ترتبط بتقييم الأداء، وحبًا لا ينتهي بانتهاء العقد.
ولهذا فإن إضعاف روابط الأسرة لا يحرر الفرد بالضرورة، بل قد ينقله من اعتماد متبادل داخل جماعة تحبه إلى اعتماد كامل على مؤسسات لا تعرفه إلا بقدر ما يقدمه لها من منفعة.
كنت أنظر إلى ابنتي وهي تبكي لأن القناة تغيرت، وأفكر في كل القنوات التي سيحاول العالم تغييرها داخلها: قناة الفطرة، وقناة الأسرة، وقناة القناعة، وقناة النظر إلى الرجل شريكًا لا خصمًا، وإلى المرأة إنسانة لا مشروعًا اقتصاديًا.
كنت أتمنى أن أعيش طويلًا؛ لا لأمنع عنها الألم، فهذا ما لا يملكه أب، بل لأذكّرها كلما حاول العالم اختزالها بأنها ليست وظيفة، ولا راتبًا، ولا رقمًا.
كنت أريد أن أقول لها:
اعملي، ولكن لا تجعلي العمل يستهلك عمرك كله. وامتلكي، ولكن لا تجعلي ما تملكينه يمتلكك. واستقلي، ولكن لا تنفصلي عن مبادئك ولا عمن يحبونك. واطلبي حقوقك، ولكن لا تجعلي خطاب الحقوق يطفئ فيك المودة والإحسان.
لا تجعلي العقد بديلًا عن الرحمة، ولا المنفعة بديلًا عن الوفاء، ولا النجاح المهني بديلًا عن الحياة. ولا تسمحي لأحد أن يقنعك بأن الأسرة سجن، وأن الأمومة هزيمة، وأن القناعة ضعف، وأن كل تضحية خسارة.
عاد إخوتها بعد قليل إلى القناة الأولى، فتوقفت دموعها فجأة، وعادت تضحك كأن شيئًا لم يحدث. أما أنا، فلم أعد أرى في الشاشة رسومًا متحركة؛ كنت أرى عالمًا كاملًا ينتظرها، عالمًا سيحاول أن يغيّر القناة التي ترى بها نفسها، ثم يقنعها بأن الصورة الجديدة هي حقيقتها الأصلية.
جلست إلى جوارها، ووضعت يدي على رأسها الصغير، كأنني أودع فيه رسالة تكبر معها: أن تبقى إنسانةً في عالم يحاول تحويلها إلى موظفة، ومستهلكة، وفرد مكتفٍ بذاته؛ ثم يسلب منها الأسرة التي كان يمكن أن تحميها من كل ذلك.
** **
- باحث في السلوك التنظيمي