محمد رزاق النصراوي
هناك خطاب تكرر كثيراً في أدبيات الجمهورية الإسلامية منذ عام 1979: أن ما تفعله في المنطقة ليس توسعاً ولا نفوذاً، بل نصرة للمستضعفين وامتدادٌ طبيعي لأخوة الدين والجوار، لكن من يتابع خارطة النفوذ الإيراني من بيروت إلى صنعاء، مروراً ببغداد ودمشق، يجد أن هذا الخطاب لم يكن يوماً سوى غطاء لمشروع مختلف تماماً: 1) إضعاف الدول الوطنية من الداخل.
2) بناء أذرع مسلحة موازية للجيش الرسمي.
3) تحويل أربع عواصم عربية إلى ساحات قرار مزدوج، فيها حكومة معترف بها دولياً وفيها في الوقت نفسه قوة موازية توالي طهران أكثر مما توالي شعبها.
العراق: دولة تُدار بإرادتين
بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، كان من المفترض أن يستعيد العراق عافيته كدولة كاملة السيادة، لكن ما ترسخ خلال العقدين الماضيين كان نمطاً مختلفاً: فصائل مسلحة نشأت داخل الجسد العراقي تتلقى الدعم والتوجيه من طهران أكثر مما تأتمر بقرار بغداد، هذه الفصائل لم تكتفِ بالسلاح بل تمددت إلى الاقتصاد والمقاولات والمنافذ الحدودية حتى أصبحت شريكاً إجبارياً في أي معادلة سياسية أو اقتصادية داخل البلاد، النتيجة أن العراق بثرواته النفطية والزراعية الهائلة ما يزال يعاني من انقطاع الكهرباء وتعثر الإعمار وهجرة شبابه، بينما تتوزع عائدات الفساد على شبكات موالية لجهة خارجية لا لجهة وطنية.
لبنان: رهينة سلاح خارج الدولة
المشهد اللبناني ليس بعيداً عن هذا النموذج وإن اختلفت التفاصيل، فمنذ عقود يعيش لبنان على وقع ازدواجية واضحة: جيش وطني ومؤسسات دستورية من جهة، وسلاح موازٍ يتخذ قراره الاستراتيجي بمعزل عن الدولة اللبنانية من جهة أخرى، هذا السلاح لم يحمِ لبنان من الانهيار الاقتصادي الذي عصف بالليرة ومدخرات المواطنين، بل زاد من عزلته الدولية وورطه في معادلات إقليمية أضعفت موقعه التفاوضي وأبقت قراره السيادي رهينة لحسابات لا تُصنع في بيروت.
سوريا واليمن: كلفة إنسانية باهظة
في سوريا، استُثمرت الحرب الاخيرة لبناء ممر نفوذ بري يمتد من طهران إلى البحر المتوسط، عبر مليشيات محلية وغير محلية استقدمت لتقاتل على أرض ليست أرضها في مقابل كلفة إنسانية ومادية ما تزال سوريا تدفعها حتى اليوم.
وفي اليمن، استُغل نزاع داخلي لتحويل جماعة مسلحة إلى ذراع إقليمية عبر تهريب السلاح والخبرات، بما فيها تقنيات الصواريخ والمسيرات التي استُخدمت لاحقاً في استهداف المدنيين ومنشآت الطاقة في دول الجوار.
في الحالتين لم يكن الشعب المحلي هو المستفيد بل كان الوقود الذي غذى مشروعاً أكبر منه.
نمط واحد يتكرر بأربع لغات محلية
ما يجمع هذه النماذج الأربعة ليس الصدفة، بل منهج ثابت: اختراق فراغ الدولة الضعيفة وبناء تشكيل مسلح موازٍ يُقدم محلياً كمقاومة أو حماية، ثم تعظيم دوره تدريجياً حتى يصبح صاحب الكلمة الفعلية في قرارات الحرب والسلم والاقتصاد، وفي كل مرة كان الثمن الحقيقي يُدفع من جيوب المواطنين العاديين: عراقيين بلا كهرباء، لبنانيين بلا مدخرات، سوريين بلا بيوت، يمنيين بلا أفق. أما الأخوة الإسلامية التي رُفعت شعاراً، فلم تُترجم يوماً إلى تنازل حقيقي عن هذا النفوذ لصالح إرادة الشعوب نفسها.
بين لغة التهدئة وواقع الأرض
في السنوات الأخيرة، فتحت دول الخليج والمنطقة باباً للحوار مع إيران وأعادت العلاقات الدبلوماسية بعد قطيعة طويلة، في خطوة تعكس نضجاً سياسياً وثقة بالقدرة على حل الخلافات بالحوار لا بالتصعيد، هذا المسار يستحق أن يُستكمل لكنه لن ينتج استقراراً حقيقياً ما لم يترافق مع تغير فعلي على الأرض؛ فالتهدئة الدبلوماسية بين العواصم لا قيمة لها إن استمرت الأذرع المسلحة لطهران بالعمل وفق أجندة مختلفة عن أجندة حكوماتها، الحوار بين الدول يُبنى بالثقة المتبادلة، والثقة لا تُقاس بالتصريحات بل بمدى استعداد كل طرف لسحب يده عن الشأن الداخلي لجيرانه.
سيادة لا وصاية
المنطقة العربية اليوم لا تحتاج إلى وصي جديد يستبدل وصياً قديماً بل إلى مبدأ واحد بسيط: أن تُدار كل دولة بإرادة شعبها ومؤسساتها الرسمية وحدها بلا سلاح موازٍ وبلا ولاءات عابرة للحدود، هذا المبدأ ليس موجهاً ضد إيران بصفتها دولة جارة لها مصالحها المشروعة، بل ضد سياسة محددة انتهجتها عبر عقود وأثبتت التجربة أنها لم تصنع استقراراً لا لجيرانها ولا حتى لإيران نفسها، التي تتحمل اقتصادياً وسياسياً كلفة هذا التمدد، الأخوة الحقيقية بين الشعوب لا تُقاس بالعبارات المنمقة بل باحترام حدود الجار وقراراته وثرواته، وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي لم تجتزه طهران بعد.
** **
- كاتب عراقي