صبحي شبانة
في الشرق الأوسط، لا يكون الهدوء دائمًا عنوانًا للطمأنينة، كما لا يكون الضجيج دليلًا على امتلاك القوة. فكثيرًا ما تُرسم ملامح المرحلة المقبلة في صمت، فيما تنشغل العواصم بمتابعة دخان المعارك وأصداء التصريحات. وبينما تتسابق الأخبار لرصد الصواريخ، تكون قرارات أكثر تأثيرًا قد اتُّخذت بعيدًا عن عدسات الكاميرات، وتبدأ خرائط النفوذ الجديدة في التشكل بهدوء لا يلفت الانتباه إلا بعد أن يصبح واقعًا، فالسياسة شأنها شأن المحيطات الواسعة، لا تُقاس بما يبدو على سطحها، بل بما يجري في أعماقها، حيث تُصاغ الإستراتيجيات، وتُعاد هندسة موازين القوة، وتُبنى الخيارات التي تحدد شكل المستقبل، وما يبدو في لحظة ما مجرد مشروع اقتصادي، أو استثمار في البنية التحتية، أو توسع في قطاع الطاقة، قد يكون في الحقيقة جزءًا من رؤية أشمل لإعادة تعريف عناصر القوة الوطنية، وبناء قدرة الدولة على حماية مصالحها في عالم تتغير فيه قواعد المنافسة بوتيرة غير مسبوقة.
والشرق الأوسط يعيش اليوم واحدًا من أكثر مراحله حساسية منذ عقود، فالحروب لم تعد مجرد مواجهات عسكرية، بل أصبحت صراعًا على الممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، والطاقة، والتكنولوجيا، والقدرة على الاستمرار عندما تتعطل الجغرافيا، وفي أوضاع كهذه لا تنتظر الدول التي تمتلك رؤية للمستقبل حتى تفرض عليها الأزمات خياراتها، بل تصنع خياراتها قبل أن تصل الأزمات إلى أبوابها، ومن يتابع المشهد السعودي بعيدًا عن عناوين الأخبار اليومية، يدرك أن المملكة تتحرك وفق هذا المنطق؛ فهي لا تبني سياساتها على ردود الأفعال، بل على قراءة هادئة لما سيكون عليه العالم بعد سنوات، لا لما يبدو عليه اليوم، قد تبدو بعض التحركات السعودية للوهلة الأولى مجرد مشاريع اقتصادية أو توسعات في البنية التحتية، لكنها عند التأمل تكشف عن مشروع إستراتيجي متكامل يعيد صياغة عناصر القوة الوطنية، فالدولة التي كانت لعقود محورًا رئيسيًا في أسواق الطاقة، تعمل اليوم على أن تصبح محورًا في معادلات الأمن الاقتصادي العالمي، وأن تنتقل من موقع التأثر بالأزمات إلى موقع القدرة على تقليص آثارها وصناعة البدائل لها.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذا السياق هو أن المملكة اختارت أن تجعل من التنمية جزءًا من منظومة الردع، ومن الاقتصاد أحد أدوات الأمن القومي، وهي معادلة تبدو مختلفة عن المفاهيم التقليدية التي حصرت القوة في السلاح أو في التحالفات العسكرية، فالقوة في عالم اليوم لا تُقاس فقط بما تمتلكه الدول من قدرات دفاعية، وإنما أيضًا بما تمتلكه من مرونة اقتصادية، وقدرة على تأمين مصالحها، وتعدد في خياراتها عندما تتعرض البيئة الإقليمية للاهتزاز.
من هنا يمكن قراءة الاهتمام السعودي المتواصل بتطوير خط الأنابيب الممتد من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، المعروف بخط «شرق- غرب»، فهذا المشروع لا يقتصر على كونه وسيلة لنقل النفط، بل يمثل أحد أهم التحولات الإستراتيجية في التفكير السعودي خلال العقود الأخيرة، فمضيق هرمز الذي ظل لعقود الشريان الرئيس لتدفق النفط الخليجي، أصبح في ظل التوترات الإقليمية نقطة اختناق جيوسياسية يمكن أن تؤثر في الاقتصاد العالمي بأسره، وأي اضطراب في هذا الممر، حتى وإن كان محدودًا، ينعكس مباشرة على الأسواق وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، ولهذا لم تنتظر المملكة حتى تصبح رهينة لهذا الواقع، بل عملت على بناء بديل استراتيجي يمنحها القدرة على تصدير جزء كبير من إنتاجها النفطي عبر البحر الأحمر، بعيدًا عن أي تهديد محتمل في الخليج. إنها رسالة تقول إن أمن الطاقة لا يتحقق فقط بحماية الحقول والمنشآت، وإنما أيضًا ببناء مسارات بديلة تضمن استمرار التدفقات في مختلف الظروف، فالدولة التي تمتلك أكثر من طريق للوصول إلى العالم، تمتلك في الوقت نفسه هامشًا أوسع للاستقلال في القرار.
واللافت أن هذه الفلسفة لا تقتصر على قطاع الطاقة، بل أصبحت منهجًا عامًا في إدارة الدولة، فالسعودية تبني بدائل في الاقتصاد، وفي الصناعة، وفي الخدمات اللوجستية، وفي الشراكات الدولية، وفي التكنولوجيا، وهي تدرك أن أخطر أشكال الاعتماد ليس الاعتماد على سلعة واحدة، بل الاعتماد على خيار واحد، ولذلك تبدو رؤية المملكة قائمة على توسيع الخيارات، وتقليل نقاط الضعف، وتعزيز القدرة على التكيف مع عالم سريع التغير، وفي موازاة ذلك يبرز الملف النووي السعودي بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة الراهنة، فالعالم يشهد تحولات كبيرة في النظرة إلى الطاقة النووية، باعتبارها مصدرًا للطاقة النظيفة، وأداة لتعزيز الأمن الطاقوي، ومنصة لتطوير المعرفة العلمية والصناعية، والمملكة التي أعلنت منذ سنوات رغبتها في تطوير برنامج نووي سلمي يخضع للالتزامات الدولية، تنظر إلى هذا المشروع من زاوية أوسع من مجرد إنتاج الكهرباء.
فالقدرة على امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية تعني بناء قاعدة علمية متقدمة، وتأهيل كوادر وطنية، وتطوير صناعات ذات قيمة مضافة، وتعزيز الاستقلال التقني. وهي عناصر أصبحت جزءًا من مفهوم القوة الشاملة في القرن الحادي والعشرين، كما أن امتلاك المعرفة والتكنولوجيا يرفع من مكانة الدولة في معادلات التوازن الإقليمي، لأن الردع لم يعد مفهومًا عسكريًا صرفًا، بل أصبح يشمل الاقتصاد والعلم والتقنية والقدرة على الابتكار، ولا يمكن فصل هذه التحركات عن رؤية المملكة 2030، التي أثبتت السنوات الماضية أنها ليست مجرد برنامج اقتصادي لتنويع مصادر الدخل، بل مشروع لإعادة بناء الدولة على أسس أكثر قدرة على مواجهة المستقبل، فالرؤية قامت على فكرة جوهرية مفادها أن الأمن الاقتصادي هو أحد أهم روافد الأمن الوطني، وأن الدولة التي تمتلك اقتصادًا متنوعًا، وصناعة متقدمة، واستثمارات عالمية، تكون أكثر قدرة على حماية قرارها السياسي، وأقل تعرضًا للضغوط الخارجية.
لقد نقلت الرؤية مفهوم التنمية من كونه هدفًا اقتصاديًا إلى كونه خيارًا إستراتيجيًا، ولذلك شهدت المملكة استثمارات ضخمة في قطاعات التعدين، والصناعات العسكرية، والطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والخدمات اللوجستية، والذكاء الاصطناعي، والمدن الذكية، ولم تكن هذه المشاريع متفرقة أو معزولة، بل جاءت ضمن تصور متكامل لبناء اقتصاد قادر على المنافسة، ودولة أكثر استعدادًا للتعامل مع عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، وفي هذا الإطار لا تبدو مشاريع الموانئ، والسكك الحديدية، والمناطق الاقتصادية الخاصة مجرد استثمارات في البنية التحتية، بل أدوات لإعادة تشكيل موقع المملكة في الاقتصاد العالمي، فالدول لم تعد تتنافس فقط على حجم صادراتها، وإنما أيضًا على قدرتها على أن تكون مراكز لوجستية تربط القارات، وتجذب الاستثمارات، وتؤثر في حركة التجارة الدولية، ومن هنا يمكن فهم الاهتمام السعودي بتطوير الممرات الاقتصادية وربط الخليج بالبحر الأحمر، لأن البنية التحتية لم تعد مجرد وسيلة للنقل، بل أصبحت أحد أهم أدوات النفوذ الجيوسياسي، فكلما زادت شبكة المصالح المشتركة بين الدول، ارتفعت كلفة الصراع، واتسعت مساحة الاستقرار، وهذا ما يجعل مشاريع الربط الإقليمي تتجاوز بعدها الاقتصادي إلى بعدها السياسي والإستراتيجي.
وفي الوقت الذي تشهد فيه المنطقة استقطابات حادة، اختارت المملكة أن تجعل من الدبلوماسية الهادئة أحد أهم عناصر قوتها، فهي لم تدخل في سباقات التصعيد الإعلامي، ولم تجعل من الخطاب السياسي بديلاً عن العمل الميداني، بل سعت إلى توسيع شبكة علاقاتها الدولية، وتنويع شراكاتها مع الشرق والغرب، والانفتاح على مختلف القوى الدولية، بما يحفظ مصالحها الوطنية ويمنحها مساحة أوسع للحركة في عالم يتجه نحو تعددية قطبية أكثر تعقيدًا، لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن النفوذ الحقيقي لا يُقاس بحدة الخطاب، بل بقدرة الدولة على أن تكون شريكًا موثوقًا، ومركزًا للاستقرار، ووجهة للاستثمار، وقوة قادرة على الجمع بين التنمية والأمن، وهذا ما يفسر المكانة المتزايدة التي تحتلها المملكة في ملفات الطاقة، والاستثمار، والتقنيات الحديثة، والعمل المناخي، والوساطات السياسية، كما أن المملكة لم تعد تنظر إلى الخليج باعتباره مجرد منطقة لإنتاج النفط، بل باعتباره فضاءً اقتصاديًا متكاملًا يمتلك من الإمكانات ما يؤهله ليكون أحد أهم مراكز النمو في العالم، ومن هنا تأتي أهمية تعزيز الربط الاقتصادي بين دول الخليج، وتطوير شبكات النقل والطاقة، وتكامل الأسواق، لأن هذه المشاريع لا تخدم دولة بعينها، وإنما تعزز قدرة المنطقة بأكملها على مواجهة التحديات العالمية.
إن قراءة هذا الحراك الإستراتيجي من زاوية المشهد اليومي قد لا تكشف كل أبعاده، لكن النظر إليه في سياقه الأوسع يُظهر أن المملكة تعيد، بهدوء وثقة، بناء منظومة قوة مختلفة؛ قوة لا تعتمد على رد الفعل، بل على الاستعداد المسبق، ولا تراهن على إدارة الأزمات، بل على تقليص آثارها وصناعة البدائل لها، ولا تكتفي بحماية مصالحها، بل تعمل على توسيعها وربطها بمصالح شركائها الإقليميين والدوليين، وهنا تكمن خصوصية التجربة السعودية، فهي لا تسعى إلى فرض حضورها عبر الضجيج، بل عبر الإنجاز، ولا تراهن على الشعارات، بل على المشاريع، ولا تكتفي بقراءة المتغيرات، بل تبادر إلى صناعة موقعها داخلها، ولذلك فإن ما يجري اليوم في المملكة ليس مجرد تحديث اقتصادي، ولا مجرد توسع في البنية التحتية، وإنما إعادة تعريف لمفهوم القوة في منطقة اعتادت أن تُقاس فيها موازين النفوذ بحجم السلاح أكثر مما تُقاس بحجم التنمية.
لقد أدركت المملكة أن المستقبل لن يكون من نصيب الدول الأكثر صخبًا، وإنما من نصيب الدول الأكثر استعدادًا، وأن الأمن الحقيقي يبدأ من الاقتصاد، وأن السيادة لا تكتمل إلا بامتلاك المعرفة، وتعدد الخيارات، وتأمين الممرات، وتعزيز الشراكات، وبناء الإنسان القادر على قيادة التحول.
ولهذا، بينما تنشغل المنطقة بتقلبات اللحظة، تبدو الرياض منشغلة بما بعد اللحظة، وبينما يتركز اهتمام كثيرين على إدارة الأزمة الراهنة، تعمل المملكة على هندسة البيئة التي ستأتي بعدها، وهذا هو الفارق بين من يلاحق الأحداث، ومن يسعى إلى صناعة المستقبل، ولعل هذا هو المعنى الأعمق لما يجري اليوم. فالقوة الحديثة لم تعد تُبنى في ساحات القتال وحدها، بل في الموانئ، وخطوط الأنابيب، ومراكز الأبحاث، والجامعات، والمناطق الصناعية، وشبكات النقل، ومشاريع الطاقة، والشراكات الاقتصادية. ومن ينجح في بناء هذه المنظومة، ينجح في حماية أمنه ومصالحه لعقود مقبلة.
ولهذا، فإن ما وراء الهدوء السعودي ليس غيابًا للحركة، بل كثافة في العمل، وليس ابتعادًا عن معادلات القوة، بل إعادة صياغة لها وفق مفاهيم العصر، إنها استراتيجية تقوم على تقليل الاعتماد، وتوسيع البدائل، وتعزيز القدرة على الصمود، ورفع كلفة أي تهديد محتمل، وتحويل التنمية إلى خط الدفاع الأول عن الدولة.
إنها قوة لا تحتاج إلى استعراض دائم، لأنها تبني حضورها بالحسابات الدقيقة، وتؤسس نفوذها بالمشاريع، وتكتب مستقبلها بثقة. وفي عالم يزداد اضطرابًا، قد يكون هذا النوع من القوة هو الأكثر رسوخًا، والأبعد أثرًا، والأقدر على البقاء.