ناصر بن فريوان الشراري
تحتل منطقة الخليج العربي مكانة جيوسياسية وجيواستراتيجية فريدة في قلب العالم، ليس فقط لكونها الخزان الرئيسي لثروات الطاقة العالمية، بل لأنها تضم ممرات مائية حيوية تشكل شريان الحياة للاقتصاد الدولي، ومع تزايد حدة خطابات التهديد والوعيد الصادرة عن الحرس الثوري الإيراني والتي تلجأ بانتظام إلى التلويح بمنع تصدير «قطرة نفط أو غاز واحدة من المنطقة» تتحول هذه الممرات من قنوات للتواصل والتجارة إلى بؤر ساخنة تهدد السلم والأمن الدوليين، وتكشف عن سلوك إجرامي يضرب باستقرار المنطقة والعالم عرض الحائط.
تستند الاستراتيجية العسكرية والأمنية للحرس الثوري إلى استغلال الجغرافيا الحاكمة للمنطقة، وتحديداً الإشراف على مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس استهلاك النفط العالمي، ويمثل هذا الأسلوب التصعيدي أبعاداً خطيرة تتجاوز مجرد المناورات الإعلامية:
ارتهان الطاقة العالمية: التعامل مع تدفقات النفط والغاز كأوراق ضغط ورهائن سياسية لمواجهة الضغوط الدولية وتخفيف العقوبات، دون اكتراث بتبعات ذلك على أمن الطاقة.
استهداف الجوار الخليجي: محاولة إقحام دول الجوار الخليجية التي تمثل ركيزة الاستقرار والتنمية في المنطقة في صراعات إقليمية ودولية، واستهداف ناقلاتها ومنشآتها الحيوية كنوع من الضغط العسكري.
تصدير الأزمات الداخلية: السعي الدائم للهروب من الأزمات السياسية والاقتصادية الداخلية عبر افتعال بؤر توتر خارجي تشتت الانتباه عن عمق المشهد الداخلي في طهران.
إن التهديد بإغلاق الممرات المائية أو منع تصدير الطاقة لا ينعكس ضرره على المحيط الإقليمي فحسب، بل يمتد ليزعزع استقرار النظام الدولي ككل عبر ثلاثة مسارات رئيسية:
عسكرة الخليج وزيادة احتمالات الصدام: يدفع هذا السلوك الإرهابي الدول الكبرى وحلفاء المنطقة إلى تعزيز تواجدها العسكري لحماية سفنها وتجارتها، هذا الحشد العسكري المكثف في رقعة جغرافية ضيقة يزيد من احتمالية حدوث خطأ غير مقصود أو احتكاك مباشر، قد يشتعل كشرارة لحرب إقليمية واسعة النطاق.
ضرب الاستقرار الاقتصادي العالمي: يعتمد أمن السلم الدولي بشكل وثيق على الاستقرار الاقتصادي، وتهديد إمدادات الطاقة يترجم فوراً إلى قفزات جنونية في الأسعار، وشلل في سلاسل الإمداد والتوريد الدولية، مما يرفع معدلات التضخم العالمي ويؤثر سلباً على معيشة ملايين البشر.
تقويض القانون الدولي وسيادة الدول: تضرب هذه التهديدات بعرض الحائط اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) التي تضمن حق المرور العابر والآمن للسفن التجارية، إن تشجيع سلوك المليشيات خارج إطار القانون يضعف من هيبة المنظمات الدولية ويفتح الباب لسيادة الفوضى وقانون القوة.
وأمام هذه المخاطر المحدقة، صاغت دول المنطقة والعالم مواقف استراتيجية حازمة لضمان مرونتها وتحصين اقتصاداتها عبر:
تنويع مسارات التصدير: تسريع تطوير خطوط أنابيب برية قادرة على نقل النفط إلى موانئ تقع خارج نطاق الخليج والمضائق المهددة (مثل البحر الأحمر وبحر العرب).
التحالفات الأمنية البحرية: المشاركة الفعالة في تحالفات دولية لتأمين حرية الملاحة وضمان سلامة الناقلات التجارية في الممرات المائية الحيوية.
الحزم الدبلوماسي: فرض عقوبات صارمة ومشددة على الكيانات المسؤولة عن هذه التهديدات وتصنيفها دولياً ضمن قوائم الإرهاب لكبح جماحها.
خلاصة القول: إن السلم الدولي ليس هبة تُترك لأهواء جماعات أو تنظيمات عسكرية تقتات على الأزمات وتعتمد أسلوب العصابات، إن استقرار منطقة الخليج وتأمين تدفق الطاقة يظلان حجر الأساس للاقتصاد العالمي، وهو أمر يتطلب انتقال المجتمع الدولي من مرحلة التنديد والاستنكار إلى مرحلة «الردع الحاسم»، لضمان كبح جماح لغة الوعيد والإرهاب، والحفاظ على استقرار العالم وأمنه.