حذامي محجوب
في العلاقات الدولية، هناك دول تبني نفوذها على كثرة الخصومات، ودول أخرى تبنيه على كثرة الشراكات. هناك من يعتقد أن إضعاف الجوار هو الطريق إلى القوة، وهناك من يرى أن قوة الجوار هي الضمان الحقيقي لأمنه واستقراره. وبين هاتين المدرستين، تبدو المملكة العربية السعودية اليوم وكأنها ترسم لنفسها مدرسة ثالثة، لا تنطلق من إدارة الصراعات بقدر ما تنطلق من بناء منظومة إقليمية تقل فيها أسباب الصراع أصلاً.
ولذلك، فإن كلمة الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الدورة السادسة عشرة لملتقى الخليج للأبحاث بجامعة كامبريدج البريطانية، لم تكن مجرد خطاب بروتوكولي يواكب الأحداث، بل كانت وثيقة سياسية تختصر فلسفة الدبلوماسية السعودية الجديدة، وتكشف بوضوح عن أولوياتها، وعن الكيفية التي تنظر بها الرياض إلى المنطقة والعالم في مرحلة تشهد أكبر قدر من التحولات منذ نهاية الحرب الباردة.
فالوزير لم يتحدث عن أزمة بعينها، ولم يركز على نزاع محدد، بل ارتفع بالنقاش إلى مستوى المبادئ المؤسسة للنظام الإقليمي الذي تريده المملكة. وهذا في حد ذاته تطور مهم، لأن الدول الكبرى لا تُعرّف نفسها من خلال موقفها من حدث عابر، وإنما من خلال المبادئ التي تحكم كل مواقفها.
ولعل أول ما يلفت الانتباه في الخطاب السعودي هو الابتعاد الكامل عن لغة الانفعال السياسي، واستبدالها بلغة العقل الاستراتيجي. فلا تهويل، ولا تهديد، ولا انتصار لخطاب المواجهة، بل حديث هادئ وواثق عن ضرورة الحوار، وعن الحلول السياسية، وعن معالجة جذور الأزمات بدل الاكتفاء بإدارة نتائجها.
وهنا يكمن الفارق بين دولة تفكر في عنوان الصحف غدا ، ودولة تفكر في شكل المنطقة بعد عشرين عاما.
لقد اعتادت منطقة الشرق الأوسط، لعقود طويلة، أن تكون ساحة تتقاطع فيها مشاريع النفوذ، وتتنافس فيها القوى الإقليمية والدولية على توسيع مناطق تأثيرها. وكانت النتيجة أن تحولت الخلافات المحلية في كثير من الأحيان إلى حروب طويلة، لأن أطرافًا عديدة وجدت في استمرار الأزمات مصلحة سياسية أو اقتصادية أو استراتيجية.
هذه ليست ظاهرة جديدة في التاريخ. فمنذ الإمبراطوريات القديمة وحتى الاستعمار الحديث، اعتمدت قوى عديدة على مبدأ “فرّق تسد”. وهو مبدأ يقوم على إضعاف محيط الخصم، وتعميق الانقسامات الداخلية، وإبقاء التوازنات هشة حتى تظل الحاجة قائمة إلى القوة الخارجية.
وللأسف، فإن هذا المنطق لم يختف تماما من السياسة الدولية المعاصرة. فما تزال بعض القوى، سواء كانت إقليمية أو دولية، ترى أن استمرار النزاعات يمنحها أوراق ضغط، ويزيد من اعتماد الآخرين عليها، ويضمن لها حضورا دائما في معادلات المنطقة. وكلما طال أمد الأزمة، ازدادت فرص التدخل، واتسعت أسواق السلاح، وتعاظمت مكاسب النفوذ. لكن السعودية، كما تعكسه كلمة وزير خارجيتها، تبدو وكأنها تتحرك في الاتجاه المعاكس تمامًا.
فهي لا تدعو إلى بناء تحالف ضد آخر، ولا إلى إنشاء محاور جديدة، ولا إلى تقسيم المنطقة بين غالب ومغلوب، بل تدعو إلى إقامة نظام إقليمي مستقر، يستند إلى قواعد واضحة، هي احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والالتزام بالقانون الدولي، وضمان حرية الملاحة، وترسيخ مبادئ حسن الجوار.
وهذه ليست مجرد مبادئ قانونية جامدة، بل هي في الحقيقة شروط ضرورية لأي مشروع تنموي حقيقي. فلا يمكن أن تزدهر التجارة في بحر مهدد، ولا أن يزدهر الاستثمار في منطقة تخشى الشركات أن تستيقظ فيها على حرب جديدة، ولا أن يبدع الشباب في مجتمعات تستنزف مواردها في النزاعات بدل الجامعات والمختبرات والمشاريع.
ومن هنا جاء الربط الذي أقامه الأمير فيصل بن فرحان بين الأمن والطاقة والاقتصاد والنمو العالمي. فالخطاب السعودي لم يعد يفصل بين السياسة والاقتصاد كما كان يحدث في الماضي، بل أصبح ينظر إليهما باعتبارهما وجهين لعملة واحدة.
إن أي صاروخ يسقط في الشرق الأوسط لا يتوقف أثره عند حدود الدولة المستهدفة، بل يمتد إلى أسعار النفط، وسلاسل الإمداد، وأسواق المال، والتضخم، والاستثمار، والأمن الغذائي في العالم كله.
وهذا الإدراك هو ما يفسر إصرار المملكة على أن الحلول العسكرية، مهما حققت من مكاسب ظرفية، لا تستطيع أن تنتج استقرارا دائما.
فالانتصار العسكري قد يغيّر مواقع الجيوش، لكنه لا يغيّر أسباب النزاعات. أما الدبلوماسية، عندما تكون مدعومة برؤية اقتصادية وتنموية واضحة، فإنها تستطيع أن تعالج الداء لا أعراضه.
ومن أهم ما يمكن استخلاصه من كلمة وزير الخارجية أيضًا أن الدبلوماسية السعودية لم تعد دبلوماسية ردود أفعال، بل أصبحت دبلوماسية مبادرة. ففي الماضي، كان كثير من السياسات الخارجية في المنطقة تُبنى على انتظار الأزمة ثم البحث عن وسيلة للتعامل معها.
أما اليوم، فإن المملكة تتحرك وفق رؤية استباقية، تسعى إلى منع نشوء الأزمات عبر بناء الثقة، وفتح قنوات الحوار، وإطلاق المشاريع الاقتصادية المشتركة، وتعزيز الترابط الإقليمي.
وهنا تبرز رؤية السعودية 2030 باعتبارها أكثر من برنامج اقتصادي. إنها في جوهرها مشروع سياسي وحضاري أيضًا.
فالرؤية تفترض أن الإنسان المنتج أقل قابلية للانخراط في العنف، وأن الاقتصاد المزدهر يخلق مصالح مشتركة تجعل الحرب أكثر كلفة من السلام، وأن الابتكار والتعليم والثقافة ليست ملفات منفصلة عن الأمن، بل هي أدوات لصناعته.
ولهذا السبب، لم يكن غريبا أن يختم الأمير فيصل بن فرحان كلمته بالإشادة بالمنتديات الأكاديمية ومراكز الأبحاث. فهذه إشارة بالغة الدلالة.
إذ إن الدولة التي تؤمن بأن الأفكار تصنع السياسة، تمنح الباحث والأكاديمي مكانة لا تقل أهمية عن المفاوض والدبلوماسي.
فالحروب تبدأ أحيانا بفكرة خاطئة، كما أن السلام يبدأ غالبا بفكرة صحيحة.
ومن هنا، تبدو الدبلوماسية السعودية أكثر انفتاحا على المعرفة، وأكثر اقتناعا بأن صناعة المستقبل لا تتم في غرف السياسة وحدها، بل في الجامعات ومراكز التفكير أيضًا.
لقد انتقلت المملكة خلال السنوات الأخيرة من موقع الدولة التي تدير مصالحها الإقليمية، إلى موقع الدولة التي تساهم في إعادة تشكيل البيئة الإقليمية نفسها. ولعل هذا هو التحول الأهم. فبدل أن تكون جزءًا من معادلات الصراع، أصبحت تعمل على تغيير قواعد اللعبة ذاتها.
وبدل أن يكون النفوذ قائمًا على توسيع ساحات التوتر، أصبح قائما على توسيع مساحات الاستقرار.
إن التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات التي اعتمدت على سياسة “فرّق تسد” استطاعت أن تحقق نفوذًا مؤقتا، لكنها تركت وراءها مجتمعات ممزقة وحدودًا ملتهبة وصراعات امتدت لعقود.
أما الدول التي استثمرت في بناء المؤسسات، واحترام السيادة، وتعزيز المصالح المشتركة، فقد صنعت نفوذا أكثر رسوخا واستدامة.
ولهذا، فإن ما تطرحه السعودية اليوم لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد خيار دبلوماسي، بل هو تصور مختلف لفكرة القوة نفسها.
فالقوة، في المفهوم السعودي الجديد، ليست عدد الصواريخ، ولا حجم الجيوش، ولا كثرة الخصومات.
القوة هي أن تكون قادرًا على جمع المتخاصمين حول طاولة واحدة، وأن تجعل التنمية لغة مشتركة، وأن تحوّل الجغرافيا من ساحة تنافس إلى فضاء تعاون، وأن يصبح أمن الآخرين جزءًا من أمنك الوطني.
هذه هي الرسالة التي حملتها كلمة الأمير فيصل بن فرحان من كامبريدج. وهي رسالة تؤكد أن المملكة العربية السعودية لا تبحث عن سلام مؤقت يسبق أزمة جديدة، بل عن نظام إقليمي جديد يقوم على احترام القانون الدولي، وسيادة الدول، والتنمية، والابتكار، والحوار، والشراكة.
وفي عالم أنهكته الحروب، تبدو هذه الرؤية أقل ضجيجًا من أصوات المدافع، لكنها أكثر عمقًا من كل الانتصارات العابرة، وأبقى من كل الصيحات المرتفعة، لأن من يزرع الاستقرار اليوم، لا يكتب فقط مستقبل منطقته، بل يكتب الصفحة التي سيعود إليها التاريخ طويلا.