د. فهد بن أحمد النغيمش
اختلاف الليل والنهار، وتقلب الأيام والشهور، والفصول والأعوام تنبئ عن عظمة البارئ سبحانه وتزيد من إيمان المؤمن بربه سبحانه يقول تعالى: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ}.
هذا الصيف اللافح الذي نعيشه اليوم بشمسه الحارقة وأجوائه الملتهبة وما نسمعه هنا وهناك من تأفف دائم وتضجر مستمر منه، هم أولئك المتذمرون الذين ما فتئوا في تململهم من الشتاء وبرده وغاب عن علمهم أنهم ولله الحمد يعيشون في هذه البلاد حرسها الله في نعم وافرة وبيوت ظليلة ومكيفات تمطرهم برياح باردة ونسمات هادئة:
يَتمنَّى المَرءُ فِي الصَّيف الشِّتاء
فإذَا جَاءَ الشِّتاءُ أَنكرهُ
فهو لَا يَرضَى بحَالٍ وَاحِدٍ
قُتلَ الإنسَانُ مَا أَكْفَرهُ
المؤمن الحصيف العاقل لا ينبغي أن تمر عليه تلكم الأحداث ولا تدور عليه الأزمان دون تفكر أو تذكر، يقول تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً ، فشدة الحر التي نقاسي حرها تذكير بعذاب الآخرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب أكل بعضي بعضًا؟ فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير»، متفق عليه.
اليوم الواحد منا قد يستحيل أن يمضي دقائق معدودة في حَرِّ الظَّهيرةِ حَاسر الرَّأسِ، حُافي القدمِ، مع أن الشمس اليوم تبعد عنا 150مليون كيلومتر فكيف بيوم القيامة حين تَدنُو الشمسُ من الرؤوسِ مقدارَ مِيل، فلا ماءَ ولا شجَر، ولا ظلَّ ولا مدر، ولا حتى حَجَر. إنها أرضُ السّاهرة، مستَوِيَةٌ مبسوطة، فأينَ المفرُّ؟! وإلى أين يكون المستقرّ؟! أإلى الجنّة أم إلى سقر؟ إنّه يوم تشتدّ فيه الكربةُ وتضيقُ النّفوس، وليس ذلك في شهرٍ أو شهرين، إنه يومٌ مقدارُه خمسون ألف سنَةٍ، يَقومُ النَّاسُ فِيهِ لرب العالمين عُراةَ الأجسامِ، شعث الرؤوس خاشعة ابصارهم فتدنوا منهم الشمس حتى تكاد تحرقهم جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ ميل فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا). قَالَ وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ.رواه مسلم.
ولئن اجتهدنا في اتقاء هذا الحر الدنيوي بظل نستظل بها وبيوت تحمينا وسيارات مكيفة تنقلنا فإن يوم القيامة تتجرد من تلكم الوسائل ويبقى عملك الصالح الذي يقيك من حرارتها لكن ما هو اجتهادنا في اتقاء حر النار يوم القيامة قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا .
تخيل موقفك يوم الحشر وأنت ممن أعياك التعب والنصب وتبحث يمنة ويسرة عن ظل تستظل به من الشمس اللافحة المحرقة فتأتي أعمالك التي عملتها في الدنيا فتظلك في موقف احوج ما تكون إليه،.... يأتيك انظارك للمعسر وتخفيف الدين عنه فيكون عليك كالغمامة كما جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إن أول من يستظلُّ في ظل الله يوم القيامة لرَجُلٌ أنظر معسرًا أو تصدق عنه} رواه الطبراني بإسناد حسن، يوم القيامة يوم الشدة والبعث والضنك تأتيك محبتك التي وضعتها لأخيك المسلم رجاء ما عند الله سبحانه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى يوم القيامة: أين المتحابون لجلالي، اليوم أظِلُّهم في ظلِّي يوم لا ظل إلا ظلي» رواه مسلم. لم يكن حبا لأجل مصلحة دنيوية ولا قرابة ولا لأجل امر من الأمور الأخرى انما لله وحده خالصا سبحانه..هناك في شدة الموقف وهوله تأتيك سورتان عظيمتان حفظُتهما وادركت معناهما انهما سورتا البقرة وآل عمران فقد روى بُرَيْدَة الأسْلَمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تعلموا البقرةَ وآلَ عمران فإنهما الزَّهْراوان يُظلاّن صاحبَهما يوم القيامة كأنهما غَمامَتان أو غَيايَتان أو فِرقان من طيرٍ صوافَّ» رواه الإمام أحمد.
ومن الاعمال يا عبادالله التي تظل صاحبها يوم العرض وتقيه حرارة الشمس الصدقة بانواعها وخيراتها على الفقراء والمحتاجين وكلما كانت في الخفاء فهي اعظم بركة واكثر نفعا فقد روى عُقْبَة بن عامرأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الرجل في ظل صدقته حتى يُقْضَى بين الناس» رواه أحمد وابن خزيمة.
ومن أوضح الأحاديث دلالة وصحة في ظل ذلك اليوم حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم القيامة فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ :إِنِّي أَخَافُ اللّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فأخفاها حتى لاَ تَعْلَمُ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ».
ليكن الواحد منا من عباد الله الموفقين الذين يجعَلُون من هذه الأجواء الحارَّة بابًا واسِعًا للمعروفِ والإحسانِ بالعمل الصالح والصدقة الجارية بحفر الآبار وسَقيِ الماءِ وتسبيل البرادات في المساجد والأسواق وغرس الأشجار ففي كل كبِدٍ رَطبةٍ أجرٌ واتَّقُوا النَّارَ ولو بشِقِّ تَمرة.اللهم أَظِلَّنِا تحت ظِلِّ عَرْشِكَ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّكَ، اللهم قنا عذاب السعير، وقنا عذاب السموم، واصرف عنا عذاب جهنم: إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا، إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامً .