د.عبدالرحمن الحبيب
«على» القوى المتوسطة» الحد من طموحاتها المفرطة لسنا قلقين من أن يكون هذا احتمالاً جدياً... «القوى المتوسطة» لا تملك أساساً متماسكاً للتحالف.» كتبها إلبريدج كولبي، وكيل وزارة الدفاع الأمريكية لشؤون السياسة على موقع X، قبيل قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) الأسبوع الماضي، معلقاً على طموحات آسيان.
فمن هي القوى العظمى والمتوسطة وشبه العظمى؟ «الحديث عن القوى العظمى أسهل من تعريفها»، كما كتب المؤرخ بريندان سيمز مدير المركز الجيوسياسي بجامعة كامبريدج، ومؤلف كتاب صدر مؤخراً بعنوان: «عودة القوى العظمى»، لافتاً إلى أن عصر التنافس بين القوى العظمى الذي تراجع خلال العقد الأخير من القرن العشرين قد عاد مجدداً، واضعاً معايير لتحديد قائمة بالقوى العظمى، قد تُفاجئ بعضهم، بما تتضمنه وما تستبعده، ومبرراً هذه القائمة باتساقها التاريخي.
المعيار الأول هو الموارد العسكرية والاقتصادية، تمتلك الولايات المتحدة أقوى جيش في العالم، وتتصدر القائمة بفارق مريح؛ تليها الصين، ثم وبفارق ملحوظ المملكة المتحدة وروسيا. تُعدّ الدول الثلاث الأولى من بين أكبر خمسة أو ستة اقتصادات في العالم، أما روسيا، الأضعف اقتصاديًا وفقاً لبريندان، فتُصنف كقوة عظمى بفضل ترسانتها النووية الضخمة الأكبر بالعالم.
امتداد نفوذ الدولة يشكل المعيار الثاني. تبرز الولايات المتحدة بشبكتها الواسعة من القواعد العسكرية حول العالم؛ أما بريطانيا فلم تعد تتمتع بنفس المكانة العالمية التي كانت عليها، لكنها لا تزال تحتفظ بقواعد سيادية مهمة حول العالم؛ كما تمتلك روسيا نفوذاً في جوارها القريب؛ وقد تصبح الصين لاعبًا عسكريًا عالميًا رئيسيًا، لكن نفوذها العالمي الحقيقي يكمن في سيطرتها الجزئية على سلاسل التوريد العالمية والمعادن الحيوية اللازمة لتشغيل الثورتين التكنولوجية والخضراء.
السمعة هي المعيار الثالث: هل تُعتبر الدولة قوة عظمى من قِبل الآخرين، وخاصة القوى العظمى الأخرى، والأهم: هل تعتبر نفسها كذلك؟ لا أحد يشكّك أن الولايات المتحدة والصين قوتان عظميان حالياً، ويعتبر الكثيرون روسيا كذلك نظرًا لقدرتها العسكرية، ورغم أن مكانة المملكة المتحدة محل خلاف، لكن بريندان يوضح أن معظم الأوروبيين ما زالوا يعتبرونها قوة عظمى.
المعيار الرابع هو المرونة واستيعاب الصدمات والاستمرار في المنافسة، ويلعب الأداء التاريخي دورًا مهمًا؛ ففي الماضي حسب بريندان، لم يكن النصر دائمًا حليف من يستطيع إلحاق أكبر قدر من الضرر، بل أحيانًا حليف من يستطيع تحمل أكبر قدر من المعاناة.
بناءً على تلك المعطيات حدد المؤلف أربع دول عظمى، تتصدرها، بطبيعة الحال، الولايات المتحدة الأمريكية اقتصادياً وعسكرياً وتكنولوجياً، وتلعب دوراً محورياً في رسم ملامح النظام العالمي. أما الصين فهي المنافس الأكبر للنفوذ الأمريكي عالمياً نظراً لقوتها الاقتصادية والمالية الصاعدة.
الثالثة، روسيا بقوتها العسكرية التقليدية والنووية الضخمة، ومواردها الطبيعية الهائلة، وعلى غير المتوقع أدرج المؤلف بريطانيا ضمن هذه القائمة بسبب مقعدها الدائم في مجلس الأمن، وترسانتها النووية، وشبكة تحالفاتها الدولية التاريخية، وقدرتها على التدخل العسكري والدبلوماسي خارج أوروبا.
في المقابل، استبعد المؤلف قوى اعتبارها شبه عظمى لكن ينقصها أحد المعايير؛ مثل ألمانيا واليابان لأنها تفتقر للقدرات العسكرية العالمية رغم أهميتهما الاقتصادية الكبرى. أما من حيث امتداد النفوذ فتمتلك ألمانيا واليابان والبرازيل وإندونيسيا قدرات عسكرية إقليمية، لكنها أظهرت هشاشة في الماضي، وبالتالي تفتقر إلى المرونة اللازمة لتحمل الصدمات.
ورغم امتلاك الهند أسلحة نووية، وتصنف خامس أكبر اقتصاد في العالم، إلا أن نفوذها العسكري يقتصر إلى حد كبير على المنطقة، ولا تستوفي معظم المعايير. أما فرنسا، فوضعها كقوة عظمى غير واضح حسب المؤلف، فهي تمتلك اقتصاداً ضخماً، وترسانة نووية أكثر استقلالية من بريطانيا، لكنها فقدت أجزاءً مهمة من سيادتها، كالسيطرة على حدودها وعملتها، لصالح الاتحاد الأوروبي.