حسن بن مريّع
حين ننظر إلى اللغة ككلمات، فسنجدها كالملابس تُكسى بها الأشياء؛ لدرجة أنه حين تضعف النفس أمام أمرٍ سيئ، أو يزيّن الشيطان معصيةً، يندفع العقل إلى تغيير اسمها فتلتفّ بحيلة لتظهرها حسنة.
لذا، فإن علماء النفس واللسانيات يؤكدون أن إعادة تعريف المفهوم يغيّر قرارات العقل بنسبة تتجاوز 80 % دون وعي؛ لأن حدود اللغة هي حدود التفكير. إذ يملك العقل إنذاراً فطرياً تراكمياً نتيجة معارفه وخبراته؛ فلو قيل للإنسان: «هذه رشوة» لرفضها فطرةً، لكن أنها «إكرامية» أو «تسهيل أمور» لسكنت نفسه وقبلها.
هذه هي «الهندسة اللغوية» الذاتية ومكايد النفس التي تُغير القناعات، فتعيد تشكيل الوعي بأسلوب ناعم.
ولكن تتوارى خلف هذه الألفاظ الساحرة حقيقة الصفات المضللة؛ فالبخيل يقول إنه «مُدبر وحريص»، والجلف قليل الأدب «صريح وشجاع»، والجبان «واقعي وحذر»، والكسل والتأجيل «ترتيب أولويات». ولا يتوقف هذا التمويه عند الصفات الفردية، بل يمتد هذا الزيف ليعصف بوعي المجتمعات حين تنقاد وراء صرعات التفاخر، فيُسمّى العقد من الزمان -الذي هو 10 أعوام- «جيلاً»، مع أن الجيل 30 عام؛ فيُوهَم المرء -مثلاً- بأن ابن الثمانينات يختلف جذرياً عن ابن التسعينات، فيتأطر الناس داخل «هويات مجهرية» تُسهّل وقوعهم في أوهام التمايز، وتُشعل بينهم صراعات جانبية لا وجود لها في الواقع.
ومنها أيضاً: إلباس التشاؤم والتطير ثوباً روحانياً يُسمّى «رسالة» أو «إشارة»؛ فعند تعطل إطار سيارة أحدهم في بداية طريق سفر -على سبيل المثال- فستطوى عزيمته بقوله لنفسه: «هذه رسالة كي لا أسافر!» بدلاً من إصلاح العطل والاستعانة بالله؛ فيُغطَّى الهروب وضعف العزيمة باسم مريح يسلب الإنسان فاعليته، ويجعله ريشة في مهب الريح.
بل وحتى في أقدس المؤسسات الاجتماعية، ينشأ مفهوم العلاقات «السائلة» عبر استبدال كلمة «الزوج» القائمة على المودة والتكامل بكلمة «الشريك»؛ تلبيساً من النفس والشيطان للفرار من ميثاق غليظ؛ فالزوج هو السكن المكمل للروح، أما الشريك فصاحب مصلحة يُنهي اتفاقه عند أول هزّة أو خسارة.
وحين نعرّج على مفاهيم «التحرر» و»الانفتاح»، فقد طالها كثير من التعرية والتشويه؛ ليصبح التحرر فراراً من الواجبات، ومن التزام الأخلاق، ومن المسؤولية، وأصبح الانفتاح تمييعاً للحدود، وإلغاءً للفلاتر النقدية.
بل وصل هذا السطو الذهني والدلالي إلى الدين والوحي فيوسوس إبليس لمستمعيه؛ ليظهر التمسك بالشرع وكأنه «رجعية وتخلف واستعباد». والحقيقة الشامخة أن الدين جاء ليحرر الإنسان من عبودية المادة والهوى والناس ليكون عزيزاً مع ربه؛ ومن ظن أنه تحرر من الدين سقط فوراً في عبوديات متعددة قاسية؛ كالشغف بالاستهلاك، والخنوع للموضة، والانقياد الأعمى لصرعات الشارع.
ولكي تُحمى الناشئة والأجيال القادمة من هذا التضليل النفسي والإبليسي، ينبغي علينا بناء «مناعة فكرية» في العقول؛ تُفرّق بين العلبة البراقة والدواء المر، وتبين بوضوح تام أن تغيير اسم السم لا يجعله عسلاً.
ويتحقق ذلك بتدريب أنفسنا وأبنائنا على التفكير النقدي عبر أسئلة ثلاثة: «ما الفعل الحقيقي خلف هذا الاسم؟ وما الذي يغذيه في نفسي؟ وإلى أين سيصل بي؟»؛ فحين ينكشف المضمون وتتفكك الغايات، تسقط الأقنعة وتبقى الحقيقة ناصعة.