فاطمة الجباري
لم تكن الطعنة يومًا من سكين، بل من كلمة. ولم يكن النزيف دمًا، بل شعورًا يُستنزف بصمت، وثقةً تتآكل مع كل عبارة جارحة، وروحًا تُرهقها المعارك التي لم تختر خوضها.
في حياتنا نلتقي بأشخاص لا يقيمون للكلمة وزنًا، ولا للحرف معنى، ولا للمشاعر قيمة. يلقون عباراتهم كما تُلقى الحجارة، ثم يمضون وكأن شيئًا لم يكن، غير مدركين أن بعض الكلمات تبقى في الذاكرة سنوات، وأن جرح اللسان قد يعجز الزمن عن مداواته.
إنهم أولئك الذين يفرغون ما في داخلهم من غضب وإحباط على الآخرين، لا لأنهم أخطأوا، بل لأنهم اختلفوا معهم. يضيقون بالرأي المخالف، ويعتبرون اختلاف الطباع تهديدًا، فيحاولون أن يصنعوا من الجميع نسخةً منهم. فإن لم تنجح محاولاتهم، بدأ الهجوم، وتحوّل الحوار إلى محاكمة، والرأي إلى تهمة، والاختلاف إلى عداوة.
النقد الواعي يرفع الإنسان، أما النقد الأعمى فيهدمه. هناك فرق شاسع بين من يصحح الخطأ بمحبة، ومن يبحث عن الخطأ ليشعر بتفوقه. الأول يداوي، والثاني يجرح. الأول يترك أثرًا طيبًا، والثاني يترك ندبةً لا تُرى.
المؤلم أن أصحاب الأسلوب الجارح لا يدركون أن الكلمة مسؤولية، وأن الله لم يمنحنا اللسان لنؤذي به عباده، بل لنعمر به القلوب، ونبني به جسور الرحمة. فكم من علاقة انتهت بسبب كلمة، وكم من قلب انكسر بسبب سخرية، وكم من إنسان فقد ثقته بنفسه لأن أحدهم لم يُحسن اختيار عباراته.
لقد تعلمت، أن المشكلة ليست دائمًا فيمن يتلقى الأذى، بل فيمن اعتاد أن يؤذي. فالقلب الممتلئ سلامًا لا يستمتع باستفزاز الآخرين، والنفس السوية لا تبحث عن التقليل من الناس لتشعر بقيمتها.
ولعل أجمل ما خرجت به في هذه الحياة لم أسمح للكلمات القاسية أن تغيّر جوهر قلبي، ولم أبادل الجفاء بالجفاء، ولا القسوة بالقسوة. مؤمنة بأن الرقي ليس في أن تنتصر في كل نقاش، بل في أن تحفظ كرامة من أمامك، وأن تغادر المجالس دون أن تترك في قلب أحدٍ وجعًا.
فالكلمة ليست حروفًا تُقال ثم تُنسى، بل أثرٌ قد يبقى في النفس عمرًا كاملًا. فاختر كلماتك بعناية… فربما كانت بالنسبة لك جملة عابرة، لكنها بالنسبة لغيرك معركة يخوضها بصمت، أو جرحًا يحاول أن يلتئم.
ليس كل الناس يحتاجون إلى نصيحة، وبعضهم يحتاج فقط إلى كلمةٍ رحيمة… فالكلمة الطيبة لا تُكلّف شيئًا، لكنها قد تنقذ إنسانًا بأكمله.