د. رانيا القرعاوي
كانت أول قاعدة تعلمتها في الإعلام الالكترونيDo not Delete the tweet ، يومها أخبرنا محاضر المادة أن «التغريدة التي تُحذف لا تختفي، بل تبدأ رحلتها الحقيقية.» يومها لم أكن أتخيل أن هذه القاعدة ستصبح أكثر صحة كلما كبرت واضطلعت على سلوكيات الحسابات التابعة للجهات والمؤسسات الرسمية.
هذا ما تذكرتُه وأنا أتابع الجدل الذي أثير أخيرًا حول تغريدة حساب روشن بعد كأس العالم، إو تغريدة حساب القدية عند حصولهم على إحدى الشهادات، والتي صاحبها هجوم وانتقاد واسع دفع بالقائمين على الحساب إلى حذف التغريدات باعتقادهم أن هذا سينهي وجودها.
في مفهوم العلاقات العامة، أن الأزمة ليست التغريدة، بل الثقة. وإذا اهتزت الثقة، فلن يعيدها زر الحذف. وبحسب دراسة نشرتها مجلة Psychology الجزيرة Marketing عام 2024 فإن حذف المحتوى أو التعليقات أثناء الأزمات قد يدفع الجمهور إلى مزيد من الشك ويقلل من استعداده للتسامح مع العلامة التجارية، بينما كان التفسير الواضح والتواصل المستمر أكثر قدرة على استعادة الثقة. ولعل ما حدث مع أزمة ستاربكس كوريا التي تحدثنا عنها في المقال السابق، يبرهن على هذا بالرغم من حذف الشركة المنشورات، ، لكن الأزمة لم تتوقف عند الحذف. استمرت الانتقادات أيامًا، وتناقلت وسائل الإعلام لقطات المنشورات المحذوفة، لأن المشكلة لم تكن في وجود المنشور على الحساب، بل في الانطباع الذي تركه لدى الناس.
لذا، فإن خبراء التواصل الاستراتيجي لا يحبذون حذف التغريدة لإدارة أي أزمة، بل يؤكدون أن نشر منشورات وتوضيح وجهة النظر والاعتذار هو الأقرب لاستعادة ثقة الجمهور وليس حذف التغريدة.
نتذكر مثالا للأزمة التي واجهها مطعم كنتاكي (KFC) في بريطانيا أزمة غير مسبوقة بعدما نفد الدجاج من معظم فروعها بسبب خلل في سلسلة الإمداد، واضطرت مئات المطاعم إلى الإغلاق. كان بإمكان الشركة أن تختبئ خلف البيانات الرسمية، لكنها فعلت العكس. نشرت إعلانًا صحفيًا يظهر فيه دلو الدجاج الشهير، إلا أن حروف اسم الشركة KFC أعيد ترتيبها لتصبح FCK، في تلميح ساخر إلى عبارة إنجليزية يستخدمها الناس عندما يقع خطأ كبير. ثم كتبت ببساطة: «مطعم دجاج بلا دجاج… ليس وضعًا مثاليًا.» بهذا اعترفت بالخطأ، واعتذرت، وشرحت ما تفعله لحل المشكلة. لم تحاول أن تمحو الأزمة، بل واجهتها، ولذلك تحولت الحملة إلى واحدة من أشهر قصص إدارة الأزمات في العالم.
وقبلها بسنوات، تعرضت Domino»s Pizza لأزمة بعد انتشار فيديو لموظفين يعبثون بالطعام داخل أحد الفروع. لم يكن بإمكان الشركة حذف الفيديو بعدما شاهده الملايين، لذلك خرج رئيسها التنفيذي بنفسه في رسالة مصورة، اعترف بالخطأ، وشرح الإجراءات الجديدة، وبدأت الشركة حملة طويلة لإعادة بناء الثقة وتحسين الجودة. لم ينس الناس الفيديو في يوم واحد، لكنهم بدأوا يرون أفعالًا جديدة غيّرت الصورة الذهنية تدريجيًا.
هذه الأمثلة تقودنا إلى حقيقة مهمة: الناس لا ينسون لأنك حذفت المنشور، بل لأنك قدمت لهم قصة جديدة أقوى من القصة القديمة.
ولو كنت مسؤولًا عن الاتصال المؤسسي في القدية، لما كان أول قرار أتخذه هو حذف التغريدة، بل إطلاق مرحلة جديدة من التواصل. كنت سأروي قصص الموظفين السعوديين الذين يعملون في المشروع، وأبرز الفرص التي حصل عليها الشباب، وأشرح بالأرقام آليات التوظيف، وأُظهر كيف يشارك أبناء الوطن في بناء هذا المشروع.
باختصار، سأصنع محتوى يجعل الجمهور يقول بنفسه: «هؤلاء يمثلوننا»، بدلًا من الاكتفاء بإزالة منشور واحد.