م. بدر بن ناصر الحمدان
منذ سنوات كان يلفت نظري تخطيط أحياء «إيكزامبل» في مدينة برشلونة الإسبانية على مستوى الشكل العمراني الذي عادة ما يظهر من خلال الصور الجوية والمنظور والمخطط الأفقي المبهر جداً، تلك الأيقونة التي صممها المخطط الإسباني «إلديفونس سيردا» في عام 1859 عند التخطيط لامتداد مدينة برشلونة خارج أسوارها القديمة وتضم حوالي 900 مبنى سكني متشابه ظاهريًا كوحدات مكتفية ذاتيا حيث أذنت حكومة مدريد حينها وتحديداً عام 1854 بهدم أسوار برشلونة التي تعود للعصور الوسطى من أجلها.
لطالما كنت مندهشاً من نمط تخطيط مجاوراتها السكنية ذات الكتل المستطيلة المنكفئة للفناء الداخلي بأحجام شبه موحدة ووفق شبكة رباعية منتظمة ومكررة وزوايا مقطوعة منسجمة مع مسارات شبكة النقل المحيطة بها، شغفي الكبير بهذا المكان، جعلني أشد الرحال إليه، ففي سبتمبر الماضي، ذهبت الى برشلونة وسكنت في أحد فنادق منطقة «إيكزامبل»، عشت المكان بكافة تفاصيل نسخته الواقعية بهدف اكتشافه وفهمه، للوهلة الأولى كان المؤشر الأول مختلفاً تماماً عن الصورة الذهنية التي أحملها عنه في ذاكرتي، حيث لم يكن المكان قادراً عن التعريف بنفسه وتقديمها وفق السيرة الذاتية المعلنة عنه، ولا التعبير عن تفرده ، كان من الصعب قراءة المكان وإدراكه، كانت عبارة عن صناديق مبنية ومغلقة ، لم يكن مقنعا بالقدر الكاف ليبرهن على أنه تلك التجربة التي وصفت على أنها من أعظم نماذج التخطيط الحضري في التاريخ الأوربي –على الأقل بالنسبة لي-.
يمكنني القول - بعد هذه الرحلة الحزينة – على مدى خمسة أيام بلياليها، أن أحياء «إيكزامبل» تم تخطيطها لتكون «نموذج مشهور لمدينة صالحة للعيش» على حد وصف المخطط الحضري «جيوف بوينغ»، وكمثال بارز على تكامل تخطيط وتصميم المكان، لكنها ولدت مشوهة وبنيت بخلاف ما خططت عليه نتيجة التعديلات التي طالت مكوناتها جراء ضغوطات مجموعات القوى والعقاريين لا سيما تلك التعديلات التي طالت الفناء الداخلي الذي تقلصت مساحاته ورقعته الخضراء، وارتفاعات المباني التي تجاوزت نظام البناء، ومداخل المجاورات السكنية المبهمة، وعلاقتها المتضادة ببعضها البعض، بالإضافة الى العزلة التي اختارتها «إيكزامبل» عن فضاءات المدينة كسمة ظاهرة، إذ أن تلك الشوارع الباذخة المتاخمة للحي لا توحي بإن ثمة حياة خلف تلك الكتل العمرانية الجاثمة على امتداد أرصفتها. وهكذا تؤكد «إيكزامبل» أن التفرد في نمط التخطيط العمراني لا يضمن بالضرورة مدينة متميزة، دون إدارة حضرية فاعلة.
غادرتُ «إيكزامبل» بعد تجربةٍ بائسة، ولم يبقَ في الذاكرة منها سوى مذاق «الباكالاو المُملح» في مقهى عريق عند نهاية شارع جيرونا، كانت تعده سيدة جميلة اسمها «دولوريس»، التي ولدت في هذه الأحياء ولم تغادرها يوماً، سوى مع «أليخاندرو»، صديقها الراحل، والذي اصطحبها الى شاطئ «كاداكيس» في خريف العام الماضي.