د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
تمثل السعودية اليوم أحد أسرع الاقتصادات نموا وتحولا في العالم، حيث تراهن على بناء اقتصاد ما بعد النفط من خلال رؤية المملكة 2030، وتحقيق قفزات غير مسبوقة تضاعف مساهمة القطاعات غير النفطية لتصل إلى مستهدفات تتجاوز 75 % من الناتج المحلي الإجمالي، في 2025 قفزت إلى 55 % من 45 % في بداية الرؤية 2016، تعود جهود السعودية للتنويع إلى عام 2014 عندما قدمت السعودية خطتها للتنويع الاقتصادي لأول مرة في مجموعة العشرين في بريسبان الاسترالية، خطة لم تفشل ولكنها واجهت تباطؤا شديدا في تحقيق أهدافها السريعة لكونها اعتمدت على سياسات تقليدية ومركزية، وأيضا لأسباب هيكلية ومالية، تفادتها رؤية 2030، فحققت مستهدفات بعضها قبل أوانها.
قبل الرؤية كان الناتج المحلي الإجمالي ينمو وفق دخل إيرادات النفط، ففي عام ألفين بلغ 190 مليار دولار أقل من 20 % من الترتيب العاشر على مستوى العالم روسيا، ارتفع إلى 689 مليار دولار في 2016 قبل الرؤية قفز إلى 1.27 تريليون دولار في 2025 أي ضعف عام 2016 وتطمح السعودية أن يكون ناتجها المحلي في نهاية الرؤية 2030 نحو 2.6 تريليون دولار نفس الناتج المحلي الإجمالي للدولة العاشرة في 2025 كندا.
تراهن السعودية اليوم على الاقتصاد الجديد عبر تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، من خلال بناء اقتصاد معرفي وابتكاري مستدام، يرتكز هذا التحول الجذري ضمن رؤية السعودية 2030 على عدة قطاعات رئيسية ومستهدفات طموحة.
تستثمر السعودية بكثافة في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي بكثافة لتصبح مركزا عالميا للتقنية، مع التركيز على البيانات الضخمة والصحة الرقمية، وصناعة الألعاب الإلكترونية، وتستغل السعودية موقعها الاستراتيجي لتحويل موانئها على البحر الأحمر إلى مراكز لوجستية عالمية تدير سلاسل الإمداد، إلى جانب استقطاب ملايين الزوار سنويا في قطاع السياحة والترفيه عبر إقامة مشاريع كبرى، إلى جانب التركيز على الطاقة المتجددة والنظيفة والاستثمار في مشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية لتعزيز الاستدامة.
بل تتجه السعودية إلى تسريع التحول الاقتصادي من خلال الاستثمار في رأس مالها البشري والمادي، حيث يعد التحول أحد أهم المحركات الرئيسية لدعم النمو والتنويع الاقتصادي وسط عدد من التحديات الجيوسياسية نتيجة المرونة الاقتصادية.
يشهد قطاع التصدير في الصين أداء استثنائيا رغم انخفاض النمو، إذ قفزت الصادرات الصينية بنسبة 27 % على أساس سنوي في يونيو 2026، مدفوعة بالطفرة العالمية في قطاع الذكاء الاصطناعي وزيادة الطلب على الرقائق الإلكترونية ومعدات التكنولوجيا المتطورة، أي أن الصين تضع ثقلها بالكامل خلف قطاعات التكنولوجيا الفائقة لرفع مستويات الإنتاجية وخلق وظائف نوعية.
ومع تسارع وتيرة التطور العالمي للبنية التحتية الرقمية بفضل الذكاء الاصطناعي، يشير تقرير جديد على أن الشرق الأوسط قد يصبح مركزا رائدا لمراكز البيانات في مجال الذكاء الاصطناعي، ليصبح بذلك من أكبر الفرص العالمية للاستثمار في مراكز البيانات ونمو الذكاء الاصطناعي.
وفق تقرير صادر عن الهيئة الدولية لمراكز البيانات IDCA في 15 يونيو 2026 يظهر أنه على الرغم من أن مراكز البيانات تستهلك حاليا ما يقارب 2 % من حجم الكهرباء العالمية، فيما السعودية تتمتع بموقع متميز للاستفادة من الموجة التالية من توسيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
أكد الرئيس التنفيذي ومؤسس الهيئة الدولية لمراكز البيانات أن السعودية تتصدر المشهد الإقليمي حاليا في الدول المتوقع أن تجذب الحصة الأكبر من استثمارات مراكز البيانات، وتعد مراكز البيانات المحرك الأساسي للاقتصاد الرقمي، فهي بمثابة مصافي العصر الحديث التي تكرر أثمن سلعة لدى البشرية، وتضم السعودية أكبر منشآت إنتاج النفط في العالم، مما يجعلها في وضع مثالي لقيادة مصانع البيانات والذكاء الاصطناعي الحديثة.
يبلغ استهلاك مراكز البيانات في السعودية 440 ميغاوات، تستهدف الوصول بقدرة تصل إلى 6 غياواط بحلول عام 2034، حيث تبرز السعودية كوجهة جاذبة ومؤهلة لمراكز البيانات العملاقة، وشركة هيوماين السعودية التابعة لصندوق الاستثمارات العامة أطلقت خططا في هذا الشأن، لما تمتلكه السعودية من موارد وفيرة والتزاما إقليميا بتنمية محفظة مراكز بياناتها، من خلال مبادرتيها الطموحتين هيوماين وهيكساغون وشركات تشغيل مراكز البيانات مثل سنتر3 وموبايلي وداتا فولت.
السعودية لديها القدرة على استخراج النفط الجديد وهي البيانات، سيحدث هذا النوع الجديد من الصادرات تحولا جذريا، وسيغير قواعد اللعبة في عالم متعطش لتعزيز قدراته في مجال الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، لما تمتلكه السعودية من ميزات تنافسية من حيث التكلفة والقابلية للتوسع لتحقيق هدف الاستدامة، مرورا بالموقع الجغرافي الاستراتيجي وصولا إلى الاستقرار والقيادة الرشيدة وسرعة اتخاذ القرارات القادرة على تحويل السعودية إلى مرفئ طبيعي للبيانات، باعتبار أن السعودية تمتلك الطاقة كأكبر عائق في مجال الذكاء الاصطناعي وليس الرقائق أو رأس المال.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقا