ماجد قاروب
العقوبات والمساءلة لم تعد تقتصر على أعضاء مجالس الإدارات أو القيادات التنفيذية بل امتدت إلى أطراف مهنية كانت تُعد في السابق جزءًا من منظومة الرقابة والمراجعة وقد تجلى ذلك بوضوح في قضية سينومي ريتيل، حيث شملت الإحالات أعضاء من فريق المراجعة لدى مراجع الحسابات السابق في خطوة تعكس تحولًا مهمًا في فلسفة الرقابة والمساءلة داخل السوق.
تقليديًا كانت المسؤولية في قضايا الإفصاح المالي والبيانات المضللة تتركز على الإدارة التنفيذية ومجالس الإدارات باعتبارها الجهات المسؤولة عن إعداد واعتماد القوائم المالية والإفصاحات الدورية إلا أن الاتجاه الرقابي الحديث سواء في المملكة أو في الأسواق العالمية المتقدمة بات ينظر إلى الإفصاح المالي باعتباره نتاج منظومة متكاملة تتقاسم المسؤولية فيها عدة أطراف.
لم يعد دور مراجع الحسابات الخارجي يقتصر على إبداء الرأي الفني في القوائم المالية بل أصبح مطالبًا بإثبات التزامه بمتطلبات الاستقلالية والحياد والعناية المهنية الواجبة والتأكد من أن القوائم المالية تعكس بصورة عادلة المركز المالي للشركة ونتائج أعمالها.
تستند هذه المسؤولية إلى مجموعة من الأطر النظامية والمهنية تشمل نظام السوق المالية ونظام الشركات والأنظمة المنظمة لمهنة المحاسبة والمراجعة والتي تفرض على المراجع واجبات واضحة في اكتشاف المؤشرات الجوهرية للمخاطر والإفصاح عنها والتعامل معها وفق المعايير المهنية المعتمدة.
إحالة أعضاء من فرق المراجعة في القضايا الأخيرة تحمل رسالة تنظيمية واضحة مفادها أن المسؤولية قد تمتد إلى كل من ساهم مهنيًا في اعتماد أو تمرير معلومات ثبت عدم صحتها إذا توافر الدليل على العلم بالمخالفة أو الإهمال الجسيم أو الإخلال بواجبات العناية المهنية.
من المتوقع أن يترك هذا التوجه آثارًا مباشرة على قطاع المراجعة والتدقيق من خلال تعزيز إجراءات الفحص والتحقق ورفع مستوى التوثيق المهني وزيادة التحفظ عند اعتماد القوائم المالية إلى جانب تعزيز استقلالية فرق المراجعة عن الإدارات التنفيذية للشركات محل المراجعة.
هذا التطور يوجه رسالة مهمة إلى السوق مفادها أن السمعة المهنية أو حجم مكتب المراجعة لا يشكلان حصانة ضد المساءلة وأن الالتزام بالمعايير المهنية والنظامية أصبح عنصرًا أساسيًا في حماية الأسواق والمستثمرين.
يجب علينا أن ندقق في كفاءات وخبرات أعضاء جميع الإدارات وفي مقدمتها الإدارة المالية في الشركات المرتبطة في أعمالها مع لجنة المراجعة والمراجع الخارجي
ولا ينبغي النظر إلى هذا التوجه باعتباره تضييقًا على مهنة المراجعة بل باعتباره خطوة نحو تعزيز جودة الإفصاح المالي ورفع كفاءة الحوكمة داخل الشركات المدرجة فكلما ارتفعت مستويات المساءلة المهنية ازدادت ثقة المستثمرين في القوائم المالية وفي عدالة السوق وشفافيتها.
الهيئات المهنية وخاصة المحامين والمحاسبين أمامهم واقع وتحديات كبيرة لحماية السوق وأصحاب المهن الحرة لرفع كفاءتهم لدعم أعمال الحوكمة والافصاح وتعارض المصالح في السوق المالية وحمايتها وحماية الأعضاء من الوقوع في الأخطاء والتعرض للمساءلة.