أنور الدوامي
قد ينظر البعض إلى التأمينات الاجتماعية على أنها مجرد نسبة تُستقطع من الراتب كل شهر، لكن الحقيقة أنها إحدى أهم أدوات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وضمانة تمتد آثارها إلى ما بعد سنوات العمل، لتوفر للمشترك وأسرته مظلة حماية عند التقاعد أو العجز أو الوفاة أو التعطل عن العمل.
شهدت المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في خدماتها وأنظمتها، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، حيث عملت على تطوير الأنظمة، وتوسيع نطاق الحماية التأمينية، مثل التعويض في حالات إصابات العمل، وتعويضات العطل عن العمل عبر برنامج «ساند»، إضافة إلى منافع حديثة مثل منفعة الأمومة للمشتركات المستحقات، وتوحيد الأحكام بين القطاعين العام والخاص، بما يمنح الموظف مرونة أكبر في التنقل الوظيفي دون أن يفقد حقوقه التأمينية، وهو ما يعكس تطور النظام ليواكب احتياجات سوق العمل الحديث.
تبرز قيمة التأمينات الاجتماعية بصورة أكبر عند بلوغ سن التقاعد، إذ يتحول الاشتراك الشهري الذي كان يراه البعض عبئًا ماليًا إلى مصدر دخل ثابت يمنح المتقاعد وأسرته قدرًا من الاستقرار المالي بعد سنوات طويلة من العطاء. فالمعاش التقاعدي ليس مجرد مبلغ يصرف شهريًا، بل هو ثمرة سنوات من العمل والمشاركة في بناء الاقتصاد الوطني.
ومن أبرز التعديلات التي أُعلن عنها مؤخرًا، تطبيق زيادة تدريجية في نسبة اشتراكات المعاشات للمشتركين الجدد، بواقع (0.5 %) سنويًا لا تشمل جميع الموظفين، وإنما تُطبق على المشتركين الجدد الذين لم تكن لديهم مدد اشتراك قبل 3 يوليو 2024 فقط، وتبدأ من السنة الثانية لسريان النظام حتى السنة الخامسة.
بمعنى أن بداية الزيادة نصف بالمئة سنوياً بدأت من يوليو 2025 وتنتهي في يوليو 2028 بواقع 2 % لتصل نسبة الاستقطاع إلى 11 % بدلًا من 9 % لكل من الموظف وصاحب العمل. وقد ينظر البعض إلى هذه الزيادة باعتبارها عبئًا إضافيًا، إلا أن الحكم عليها ينبغي ألا يكون من خلال أثرها على راتب شهر واحد، وإنما من خلال ما تحققه بعد ثلاثين أو أربعين عامًا من العمل.
صحيح أن كل ريال له قيمته، خاصة في بداية الحياة العملية، لكن هذه المبالغ تبقى محدودة إذا ما قورنت بما تمنحه من دخل تقاعدي مستمر، واستقرار مالي يمتد لسنوات طويلة بعد انتهاء الخدمة يحفظ كرامة الإنسان بعد تقاعده، ويوفر له ولأسرته مصدر دخل ثابت في مرحلة تتراجع فيها القدرة على العمل.
في الواقع، نصف بالمئة من راتب الموظف الذي يبدأ حياته الوظيفية ليس مبلغًا كبيرًا في معظم الحالات، خاصة أن رواتب الموظفين الجدد غالبًا ما تكون في مستويات متوسطة أو منخفضة. وقد لا يتجاوز أثر هذه الزيادة حالياً عشرات الريالات شهريًا، وهو مبلغ يذهب في كثير من الأحيان إلى مصروف يومي أو وجبة أو مشروب أو اشتراك ترفيهي، ثم ينتهي أثره بانتهاء اليوم.
أما إذا بقي ضمن منظومة التأمينات، فإنه يتحول إلى جزء من رصيد يرافق الموظف طوال حياته الوظيفية، ثم يعود إليه عند التقاعد على هيئة دخل شهري مستمر يوفر له ولأسرته قدرًا من الاستقرار.
أنظمة التقاعد في مختلف دول العالم تواجه التزامات مالية، الأمر الذي دفع كثيرًا من الدول إلى رفع سن التقاعد، أو زيادة الاشتراكات بنسب أعلى، أو تقليص بعض المنافع.
أما المملكة فقد اختارت نهجًا أكثر توازناً حيث جاءت الزيادة تدريجية ومحدودة وتطبق على المشتركين الجدد فقط، مع عدم المساس بالحقوق المكتسبة للمشتركين القائمين وبما يحقق استدامة النظام دون إحداث أثر كبير على دخول الموظفين.
فاستدامة صناديق التقاعد ليست قضية تخص المتقاعد وحده، بل هي مسؤولية وطنية تضمن استمرار الوفاء بالالتزامات تجاه الأجيال الحالية والقادمة، وتجنب الحاجة إلى إصلاحات أكثر صعوبة في المستقبل.
وربما يكون أجمل ما في هذه الزيادة أنها تعلّم الموظف الجديد ثقافة الادخار الإجباري للمستقبل. فالكثير من الناس يؤجلون الادخار بحجة أن الوقت ما زال مبكرًا، ثم يكتشفون بعد سنوات أن الفرصة قد ضاعت. أما التأمينات الاجتماعية، فهي تبني هذا الادخار بصورة تلقائية ومنظمة، بحيث يتحول الاستقطاع الشهري البسيط مع مرور الزمن إلى حق مكتسب ومعاش مستدام.
ولهذا فإن التأمينات الاجتماعية ليست مجرد جهة تستقطع جزءًا من الراتب، بل شريك حقيقي في رحلة الإنسان المهنية، يبدأ معه منذ أول يوم عمل، ويبقى إلى جانبه عندما تنتهي سنوات العطاء.
إن نجاح أي نظام تأميني يقاس بقدرته على تحقيق التوازن بين حقوق المشتركين واستدامة موارده المالية.
ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية التأمينات الاجتماعية لا يقل أهمية عن تطوير أنظمتها، فكل ريال يُسهم به الموظف اليوم قد يكون مصدر الأمان الذي يعتمد عليه غدًا، عندما تنتهي سنوات العمل وتبدأ مرحلة جديدة من الحياة تستحق الطمأنينة والاستقرار، وكما قال المثل الشعبي «احفظ قرشك الأبيض ليومك الأسود» فهذه دعوة بليغة للتخطيط المالي، الادخار، وتجنب الإسراف.