سحر العمادي
في عالم الشركات اليوم، أصبحت كلمة «تقليص النفقات» هي الشماعة الجاهزة التي تُعلق عليها الإدارات أزماتها المالية.
وأول حل يطرق أذهان الكثير من متخذي القرار هو الخيار الأسهل ظاهرياً: تسريح عدد من الموظفين لتوفير المال.
لكن السؤال الذي يُغفل عنه: هل هذا خفضٌ حقيقي للتكاليف، أم أنه مجرد رحلة قصيرة الأجل لنقل التكلفة المالية من بند «الرواتب» إلى بند «الخسائر المباشرة وغير المباشرة»؟
الضغط الزائد: من يملك عصا سحرية؟
عندما تُسرح المنشأة جزءاً من فريقها، فإن «حجم العمل» لا يختفي سحرياً مع المغادرين. بل يُوزع بدم بارد على من تبقى من الموظفين! تخيل موظفاً كان ينفذ مهام محددة بتركيز وجودة، وفجأة يجد نفسه يغطي مهام زميلين أو ثلاثة. هذا «الضغط المكثف» يضع الموظف في وضع الطوارئ المستمر، حيث يتحول الهدف اليومي من «تقديم أفضل جودة» إلى «إنهاء المهام للنجاة فقط».
النتيجة الحتمية: تراجع الجودة وتزايد الأخطاء لأن البشر ليسوا آلات؛ والإنهاك المهني له ثمن باهظ:
تراجع جودة الخدمات: عندما يقل التركيز، يغيب الإبداع وتغدو الخدمة الموجهة للعملاء آلية وباهتة، أو أبطأ بكثير من المعتاد.
وتراكم الأخطاء: الموظف المجهَد والمشتت بين أكثر من مسؤولية طبيعي جداً أن يقع في أخطاء كارثية سواء في إدخال البيانات، التعامل مع العملاء، أو إدارة العمليات التشغيلية.المفارقة العجيبة: معاقبة الموظف على «جريمة» الإدارة! والمأساة الحقيقية في هذه المنظومة هي «غياب الشعور بالأمان والعدالة».
فعندما تتراكم الأخطاء وتتدهور جودة الخدمة، تجد الإدارة للأسف تنصلت من مسؤوليتها المباشرة، وتبدأ في محاسبة أو معاقبة الموظف على قصوره ! يُقال له: «أنت غير منتج» أو «أخطاؤك كثرت»، بينما الحقيقة الناصعة هي أن السياسة الإدارية هي التي وضعت هذا الموظف في بيئة مُصممة أساساً للرداءة والفشل.
المنشآت التي تبحث عن الاستدامة والنمو الحقيقي تدرك تماماً أن الموظف ليس «رقم مفرد في جدول المصاريف»، بل هو المحرك الأساسي للقيمة والجودة. سياسة التسريح العشوائي لتوفير المال هي خديعة؛ لأن التكلفة التي ستدفعها الشركة من:خسارة العملاء بسبب سوء الخدمة، وتكلفة الأخطاء والتعويضات، وتدني الروح المعنوية واستنزاف الكفاءات المتبقية، تتجاوز بكثير المبالغ التي تم توفيرها من رواتب الموظفين المُسرحين.
لذلك نقول: النجاح الإداري الحقيقي لا يُقاس بمدى قدرتك على تقليص الرواتب، بل بقدرتك على استثمار طاقات فريقك في بيئة آمنة ومتوازنة تُنتج جودة مستدامة وتصنع ولاءً حقيقياً.
** **
- كاتبة وباحثة في المجال الإداري والتقني