د. ياسين علي محمد عزي
بعض الاتفاقيات تبدأ يوم توقيعها، أما الاتفاق النووي السعودي الأمريكي فقد بدأ قبل ذلك بسنوات؛ حين رسمت الكلمة القيادية موقع المملكة في مستقبل الطاقة والأمن والمعرفة، وحددت حقها في بناء خياراتها وحماية قرارها. وما كان يومًا رؤيةً وموقفًا سياسيًا، أصبح اليوم اتفاقًا رسميًا ومسارًا لبناء قدرة وطنية متكاملة تقوم على توطين المعرفة، وتنمية الكفاءات، وتعزيز أمن الطاقة، وتوسيع الخيارات السيادية للمملكة.
في مقال سابق تناولت فيه خطاب رؤية المملكة 2030 بالتحليل، خلصت إلى أن افتتاحية الرؤية لم تُكتب لتصف مستقبلًا جاهزًا، بل لتؤسسه؛ إذ لم تكن لغتها لغة أمنيات تنتظر الظروف، وإنما لغة التزام تعيد تعريف الممكن السعودي، وتضع مؤسسات الدولة أمام مسؤولية تحويله إلى واقع. واليوم تأتي اتفاقية التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية شاهدًا جديدًا على تلك الفلسفة القيادية.
فبعض الكلمات السياسية ينتهي أثرها بانتهاء المناسبة التي قيلت فيها، وبعضها يبقى وعدًا معلقًا ينتظر ظروفًا قد تأتي أو لا تأتي. غير أن هناك كلمات لا تُقال لتصف المستقبل، بل لتحدد موقع الدولة داخله، وتفتح أمام مؤسساتها مسار الوصول إليه.
من هنا، لا تبدو الاتفاقية النووية السعودية الأمريكية حدثًا منفصلًا عن الخطاب القيادي لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله- بل فصلًا جديدًا في منهج اتضحت ملامحه خلال سنوات الرؤية: توسيع حدود الممكن السعودي، ثم بناء المؤسسات والخيارات القادرة على تحويله إلى قدرة وطنية مستدامة.
في عام 2018، أكد سمو ولي العهد أن المملكة لا تريد امتلاك سلاح نووي، لكنه أوضح أنه إذا طورت إيران قنبلة نووية، فإن السعودية ستتخذ المسار نفسه في أسرع وقت ممكن. لم تكن العبارة إعلانًا عن رغبة في سباق تسلح، بل تحديدًا لقاعدة سيادية واضحة: المملكة تختار السلام وتلتزم به، لكنها لا تقبل أن يتحول هذا الالتزام إلى اختلال استراتيجي يهدد أمنها، أو يجعل قرارها الوطني مرهونًا بما يختاره الآخرون.
قد تبدو العبارة، عند عزلها عن سياقها، موقفًا فرضته ظروف المنطقة. غير أن قراءتها في ضوء الخطاب القيادي لمحمد بن سلمان تكشف انتماءها إلى البنية نفسها التي ظهرت في افتتاحية رؤية المملكة 2030؛ لغة لا تبدأ من الخوف مما تفتقده الدولة، بل من الثقة فيما تملكه، ولا تنتظر أن يحدد الآخرون لها موقعها في المستقبل، بل تعيد تعريف الممكن السعودي انطلاقًا من عناصر القوة الوطنية.
في تحليل الخطاب السياسي، تقوم مسافة واسعة بين لغة تتمنى ولغة تلتزم. الأولى تتحدث عما قد يحدث، أما الثانية فتضع صاحبها تحت مسؤولية ما يقول. ولهذا لا تُقاس الكلمات القيادية الكبرى بقوة صداها عند إعلانها، وإنما بما تفتحه من مسارات، وما تبنيه من مؤسسات، وما تتحول إليه مع الزمن من سياسات واتفاقيات وقدرات وطنية.
من هذه الزاوية تحديدًا، يمكن قراءة اتفاقية التعاون النووي السعودي الأمريكي.
لم تنشئ الاتفاقية الطموح النووي السعودي من فراغ، ولم تكن تنفيذًا مباشرًا لتصريح سياسي قيل قبل ثمانية أعوام؛ فالمشروع الوطني للطاقة النووية أقدم من ذلك، وله مساره التنموي والمؤسسي المستقل.
غير أن التصريح والاتفاق ينتميان إلى فلسفة قيادية واحدة: السعودية لا تنتظر تبدل موازين العالم حتى تبدأ البحث عن خياراتها، بل تبني هذه الخيارات مبكرًا، حتى يبقى قرارها في يدها حين تتغير الظروف.
وقّعت حكومة المملكة العربية السعودية وحكومة الولايات المتحدة الأمريكية في الثالث والعشرين من يوليو 2026 اتفاقية التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، استكمالًا لما أُعلن خلال زيارة سمو ولي العهد إلى الولايات المتحدة في نوفمبر 2025 عن اكتمال المفاوضات المتعلقة بهذا المجال.
وتهدف الاتفاقية إلى تعزيز تبادل الخبرات والمعرفة والتقنيات، وتطوير التعاون وفق أعلى المعايير الدولية المتعلقة بالأمن والأمان النوويين وعدم الانتشار، ودعم تنويع مصادر الطاقة والتنمية المستدامة والتقنيات المتقدمة.
ووصف الجانب الأمريكي الاتفاقية بأنها إطار قانوني للتعاون النووي السلمي وفق المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأمريكي، ترافقه اتفاقية ضمانات ثنائية، بما يؤسس لشراكة طويلة المدى، ويفتح المجال أمام مشاركة الشركات الأمريكية في البرنامج النووي السعودي.
ولا تعني هذه الصيغة أن الاتفاقية تنقل تلقائيًا جميع تقنيات دورة الوقود النووي، أو تحسم التفاصيل التنفيذية للمشروعات المقبلة؛ إذ تظل هذه المسائل خاضعة لما تتضمنه الأطر التنفيذية والترتيبات الفنية والتنظيمية اللاحقة. غير أن أهمية الاتفاقية تكمن في تأسيسها القانوني والسياسي لشراكة واسعة في أحد أكثر مجالات العلم والتقنية حساسية وتأثيرًا في مستقبل العالم.
لذلك لا تقتصر قيمة الاتفاقية على بعدها الاقتصادي أو التقني، بل تكشف انتقال المشروع السعودي إلى مرحلة أوسع من الشراكة وبناء القدرات. فالمملكة لا تقف عند شراء مفاعل أو إنشاء محطة، وإنما تعمل على بناء موقع وطني داخل صناعة علمية متقدمة تتداخل فيها الطاقة والهندسة والبحث والتعليم والأمن والسياسة الدولية.
وهنا يتضح أن البرنامج النووي السعودي ليس مجرد مشروع لإنتاج الكهرباء، بل مشروع لبناء السيادة بالعلم.
فالسيادة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس بما تملكه الدولة من موارد خام وحدها، وإنما بقدرتها على تحويل مواردها إلى معرفة، والمعرفة إلى صناعة، والصناعة إلى خيارات وطنية مستقلة. ومن يمتلك موارد اليورانيوم دون أن يمتلك المعرفة والقدرات التقنية اللازمة للاستفادة منها لا يستثمر كامل قيمتها، كما أن من يشتري التقنية دون أن يبني الإنسان القادر على فهمها وإدارتها وتطويرها يظل مستهلكًا لها مهما بلغت قيمة ما أنفقه.
لهذا يتجاوز جوهر المشروع السعودي بناء المحطة إلى بناء المنظومة التي تقف خلفها: الكفاءات العلمية والهندسية، والتشريعات والرقابة، والأمن والأمان النوويان، والبحث العلمي، وسلاسل الإمداد، ونقل المعرفة، وتوطين التقنيات والصناعات المرتبطة بها.
وقد بدأت الجاهزية المؤسسية السعودية لهذا المشروع مبكرًا؛ إذ تأسست مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة عام 2010، بوصفها كيانًا معنيًا بشؤون الطاقة الذرية والمتجددة، ثم واصلت المملكة بناء مشروعها الوطني بخطوات مؤسسية متدرجة. وفي إطار العمل على إنشاء أول محطة للطاقة النووية، اعتمدت المملكة مفاعلات الماء الخفيف المضغوط خيارًا لإنتاج الكهرباء، وبدأت الدراسات الفنية الأولية للتصاميم الهندسية، وإعداد خطط البناء، ووضع الآليات المناسبة لتقييم التقنية واختيارها وفق متطلبات السلامة والأمن والأمان والجدوى الاقتصادية.
ولا تمثل المحطة، وفق هذا التصور، منشأة تقنية منعزلة، بل نقطة تتقاطع عندها أهداف متعددة تشمل تنويع مزيج الطاقة، وتعزيز الإمدادات النظيفة والمستدامة، وتوسيع الخيارات المتاحة لتوليد الكهرباء، ودعم القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وتعظيم الاستفادة الاقتصادية من الموارد الوطنية.
أما المعنى الأعمق فيظهر في الإنسان.
فالمفاعل يمكن شراؤه، أما المعرفة التي تديره فلا تُشترى مكتملة. والتقنية يمكن نقلها، لكن تحويلها إلى قدرة وطنية يتطلب تعليمًا وتدريبًا وبحثًا وتجربة وتراكمًا. ولهذا تتعاون المملكة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في بناء القدرات وتطوير البنية التحتية النووية، وإعداد الموارد البشرية اللازمة لبرنامج نووي سلمي وآمن ومستدام.
وهنا تتكرر إحدى الأفكار المؤسسة لرؤية المملكة 2030: الإنسان السعودي ليس متلقيًا لثمار التنمية، بل شريك في صناعتها وشرط لاستدامتها. لذلك لا تمثل الطاقات الوطنية الواعدة في المشروع النووي موظفين ينتظرون اكتمال المحطة للعمل فيها، بل علماء ومهندسين وباحثين ومنظمين يسهمون منذ البداية في بناء القدرة الوطنية التي ستدير المشروع وتطور مساراته.
بهذا المعنى، لا يبقى المفاعل أداة لإنتاج الطاقة وحدها، بل يغدو مجالًا للتعليم التطبيقي والبحث العلمي، ومحركًا للصناعات الهندسية، ومساحة لتكوين خبرة وطنية تمتد آثارها إلى قطاعات متعددة. فالصناعة النووية لا تعمل بمعزل عن غيرها؛ إذ تتفاعل معها علوم المواد والهندسة والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والقياس والجودة وإدارة المخاطر والاستجابة للطوارئ.
لقد طرحت رؤية المملكة 2030 منذ بدايتها سؤالًا ضمنيًا: ماذا يمكن أن نصنع بما نملك؟ ويقدم البرنامج النووي إجابة عملية عن ذلك السؤال؛ فالموارد الطبيعية لا تبقى خامات صامتة تحت الأرض، بل تتحول بالعلم إلى قيمة اقتصادية وقدرة وطنية. والشراكة الدولية لا تظل علاقة شراء، بل تصبح طريقًا إلى بناء الكفاءة وتوطين الصناعة. والطاقة لا تبقى خدمة استهلاكية، بل تتحول إلى ركيزة للتنويع الاقتصادي والتقدم العلمي.
من هنا، لا يمكن اختزال البرنامج السعودي في المخاوف الإقليمية، كما لا يمكن فصله تمامًا عن البيئة السياسية التي يتحرك داخلها. فهو في أساسه مشروع سلمي وتنموي، لكنه ينمو في عالم لا تنفصل فيه التقنية عن السيادة، ولا الطاقة عن الأمن، ولا المعرفة عن موازين القوة.
وقد أكدت المملكة أن برنامجها الوطني للطاقة الذرية مخصص للأغراض السلمية، وأنها ملتزمة بالمعايير الدولية المتعلقة بالأمن والأمان وعدم الانتشار النووي. وتنطلق الاتفاقية السعودية الأمريكية من هذه المبادئ، فيما يعزز التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بناء القدرات وتطوير البنية التحتية وفق الممارسات الدولية.
غير أن الالتزام بالسلمية لا يعني التنازل عن الحق في العلم، ولا ينبغي أن يتحول نظام عدم الانتشار إلى وسيلة لاحتكار المعرفة والتقنية. فمن حق المملكة، شأنها شأن الدول الملتزمة باتفاقياتها الدولية، أن تستفيد من التطبيقات السلمية للطاقة النووية، وأن تطور قدراتها الوطنية، وأن تفاوض على الشروط التي تحفظ مصالحها وسيادتها.
هنا تظهر دقة الموقف السعودي: لا خلط بين الطاقة النووية والسلاح النووي، ولا قبول، في المقابل، بأن تُستخدم المخاوف السياسية لتقييد حق المملكة في التنمية والتقنية. تلك هي المعادلة السعودية التي تجمع بين المسؤولية الدولية والاستقلال الوطني، وبين الالتزام بالسلام وامتلاك القدرة، وبين الشراكة مع العالم ورفض الارتهان له.
وعلى هذا الأساس، لم تكن عبارة سمو ولي العهد ـ حفظه الله ـ عام 2018 نبوءة بالاتفاق النووي، ولا إعلانًا عن مسار عسكري، بل تعبيرًا مبكرًا عن فلسفة دولة لا تسمح بأن تكون متلقية لنتائج التحولات الكبرى، ولا تترك أمنها أو طاقتها أو مستقبلها العلمي رهينًا لما يقرره الآخرون، وإنما تبني من الخيارات والقدرات ما يحفظ قرارها ويخدم تنميتها.
وهذا هو الرابط الحقيقي بين لغة رؤية المملكة 2030 والاتفاق النووي السعودي الأمريكي.
في المقال السابق، كشفت قراءة النص المؤسس للرؤية كيف سبقت اللغة الإنجاز، ووسعت حدود الممكن، وحولت الطموح من أمنية إلى التزام مؤسسي. أما في هذا المقال، فتظهر مرحلة لاحقة من المسار نفسه؛ إذ تأتي المؤسسة والشراكة والتقنية لتدير ما فتحته تلك اللغة من آفاق. هناك صيغ الإنسان بوصفه الثروة الأولى، وهنا يُستثمر فيه ليصبح حاملًا للمعرفة النووية. وهناك تحول الطموح إلى برامج ومؤشرات، وهنا يتحول الحق في التقنية إلى مشروع وطني واتفاق دولي.
لذلك لا تمثل عبارة «محمد بن سلمان.. إن قال فعل» مديحًا منفصلًا عن الوقائع، بل وصفًا لمنهج يمكن تتبع مراحله: كلمة تحدد الاتجاه، وسياسة تنظم المسار، ومؤسسة تبني القدرة، واتفاقية تفتح الطريق أمام مراحل التنفيذ.
حين أكد محمد بن سلمان أن المملكة لن تقبل اختلال ميزان الأمن ضدها، كان يرسم حدًا سياديًا. وحين أطلق رؤية تجعل الإنسان والعلم والتقنية أدوات لصناعة المستقبل، كان يبني الطريق المؤدي إلى امتلاك القدرة. وحين تحولت المفاوضات إلى اتفاقية رسمية، ظهر مرة أخرى أن الكلمة في هذا الخطاب ليست نهاية الموقف، بل بداية لمسار تتولى مؤسسات الدولة تحويله إلى واقع.
وليست الاتفاقية نهاية الحكاية؛ فبعدها تأتي مراحل استكمال المتطلبات النظامية والتنفيذ، واختيار التقنيات، وبناء المحطة، وتأهيل الكفاءات، وتوطين الصناعات، وتوسيع البحث العلمي. لكنها تكشف منذ الآن عن منطق المرحلة: السعودية لا تنتظر حتى يصنع الآخرون المستقبل ثم يمنحوها مكانًا فيه، بل تشارك في صناعته منذ البداية، بعلمها ومواردها وشراكاتها وقرارها.
لقد كتب محمد بن سلمان في رؤية المملكة 2030 مستقبلًا لم يكن العالم يرى جميع ملامحه بوضوح، ثم جاءت الأعوام لتثبت أن اللغة لم تكن أوسع من القدرة، وأن الطموح لم يكن منفصلًا عن المؤسسة والعمل.
واليوم يقف الاتفاق النووي شاهدًا جديدًا على الفلسفة نفسها؛ فالكلمة القيادية لا تبقى وعدًا في فضاء السياسة، بل تتحول إلى سياسة، والسياسة إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى قدرة وطنية. وحين تبلغ الكلمة هذه المرحلة، لا يعود المستقبل زمنًا يُنتظر، بل واقع يُبنى.
وهكذا، لم يكن العنوان مديحًا، بل واقعًا أثبتته الأيام: قال محمد بن سلمان.. ففعل.
** **
- أكاديمي وكاتب سعودي