د.عبدالله الفايز
الاتفاقية الأخيرة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، لها اهمية بالغة فهي تمثل إطارًا قانونيًا للتعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وتشمل مبادئ تتعلق بالسلامة والأمن النووي وعدم الانتشار، إلا أن تفاصيلها أثارت نقاشًا دوليًا حول مستوى الضمانات وآليات الرقابة، وهو ما يوضح أن المجتمع الدولي يدرك الطبيعة المزدوجة لبعض التقنيات النووية ويسعى إلى الحد من مخاطر إساءة استخدامها من خلال الأطر القانونية والرقابية.
وبدلاً من النظر إلى المفاعل النووي باعتباره منشأة مستقلة، تقترح هذه الدراسة إنشاء منصة وطنية ذكية تعمل كالعقل الرقمي للمشروع النووي بالكامل، بحيث تتكامل مع جميع الأنظمة الوطنية، وتصبح جزءًا من منصة الدولة الذكية (Smart Nation Platform).. الاتفاقيات الخاصة بالتعاون النووي للأغراض السلمية وهنا يجب التفريق بين المفاعل النووي المدني وبين برنامج الأسلحة النووية.
فالمفاعلات المخصصة لإنتاج الكهرباء أو تحلية المياه أو إنتاج النظائر الطبية تعمل بوقود ومستويات تخصيب مختلفة عن تلك المطلوبة للأسلحة النووية، كما أنها تخضع عادة لاتفاقيات الضمانات والتفتيش والمتابعة الدولية. ومع ذلك، فإن كثيرًا من تقنيات دورة الوقود النووي، مثل تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود المستهلك، تعد تقنيات ذات استخدام مزدوج (Dual-Use Technologies)، أي يمكن استخدامها للأغراض السلمية أو العسكرية بحسب طبيعة البرنامج والرقابة المطبقة عليه. ولهذا السبب تركز الوكالة الدولية للطاقة الذرية على أن القضية ليست في التقنية نفسها، وإنما في منظومة الحوكمة والشفافية والضمانات الدولية.
ومن وجهة نظري، فإن الأهمية الحقيقية للمشروع النووي السعودي لا تكمن فقط في إنتاج الكهرباء أو تنويع مصادر الطاقة، وإنما فيما سيخلقه من اقتصاد معرفي وتقني جديد. فبناء مفاعل نووي حديث لم يعد مجرد مشروع هندسي، بل أصبح مشروعًا للتحول الرقمي المتقدم، يعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتوائم الرقمية والأمن السيبراني وتحليل البيانات الضخمة. ولذلك فإن المشروع النووي يجب ألا ينظر إليه باعتباره منشأة مستقلة، بل باعتباره جزءًا من منظومة المدن الذكية والاقتصاد الرقمي الوطني. فالمفاعل النووي الحديث يعتمد على آلاف المجسات الرقمية التي تراقب درجات الحرارة والضغط والإشعاع والتدفقات بصورة لحظية، وترسل بياناتها إلى مراكز تحكم ذكية تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لاكتشاف أي انحرافات قبل وقوع الأعطال، وتطبيق الصيانة التنبؤية بدلاً من الصيانة التقليدية. كما أصبحت التوائم الرقمية (Digital Twins) من أهم أدوات تشغيل المفاعلات الحديثة، حيث يتم إنشاء نسخة رقمية مطابقة للمفاعل تعمل في الزمن الحقيقي، تسمح بمحاكاة السيناريوهات المختلفة واختبار الإجراءات التشغيلية وتقييم المخاطر دون التأثير على التشغيل الفعلي للمفاعل. كما ان الروبوتات تؤدي دورًا متزايد الأهمية داخل المنشآت النووية، خاصة في البيئات ذات الإشعاع المرتفع التي يصعب أو يستحيل دخول الإنسان إليها. فهي تقوم بأعمال الفحص والصيانة والتصوير ثلاثي الأبعاد ونقل المعدات ومراقبة الأنابيب والخزانات وإجراء القياسات الإشعاعية، مما يقلل من تعرض العاملين للإشعاع ويرفع مستويات السلامة والكفاءة التشغيلية. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن دمج الروبوتات مع الذكاء الاصطناعي والتوأم الرقمي يفتح آفاقًا جديدة نحو التشغيل الذاتي والآمن للمفاعلات النووية المستقبلية.
ومن هنا فإن بناء أول مفاعل نووي في المملكة حافزًا لإعادة صياغة المنظومة التعليمية. فالمملكة لن تحتاج فقط إلى مهندسي الطاقة النووية، بل ستحتاج إلى آلاف المتخصصين في هندسة الروبوتات، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والتوائم الرقمية، وإنترنت الأشياء الصناعية، وأنظمة التحكم الذكية، وصيانة الأنظمة الروبوتية، وتصنيع مكوناتها وقطع غيارها، إضافة إلى إدارة المدن الذكية، وشبكات الكهرباء الذكية، والنقل الذكي، والبنية التحتية الرقمية. إن المشروع النووي الحديث يمثل منظومة تقنية متكاملة، ويعد أحد أكبر المحركات لإنشاء وظائف نوعية جديدة في الاقتصاد الرقمي. ولهذا أرى أن الربط بين الطاقة النووية والمدن الذكية ليس مجرد ربط نظري، بل هو ارتباط عضوي. فالمدينة الذكية في المستقبل لن تعتمد فقط على الطاقة النظيفة، وإنما على شبكة مترابطة من الأنظمة الرقمية التي تدير إنتاج الطاقة وتوزيعها واستهلاكها باستخدام الذكاء الاصطناعي، وتربط محطات الطاقة بشبكات الكهرباء الذكية، والمباني الذكية، والمركبات الكهربائية وذاتية القيادة، ومراكز البيانات، ومحطات تحلية المياه، والمصانع المؤتمتة، بحيث يصبح المفاعل النووي جزءًا من منظومة رقمية وطنية متكاملة، حيث إن التطور الذي يشهده العالم في مجال الطاقة النووية لم يعد يقتصر على بناء مفاعل لإنتاج الكهرباء أو تحلية المياه أو إنتاج النظائر الطبية بل أصبح يمثل مشروعًا وطنيًا متكاملاً للتحول الرقمي والتطور الصناعي والمعرفي. فالمفاعلات النووية الحديثة لم تعد تعتمد على أنظمة التشغيل التقليدية وإنما أصبحت منظومات رقمية معقدة تعمل بالذكاء الاصطناعي والروبوتات والتوائم الرقمية وإنترنت الأشياء الصناعية وتحليل البيانات الضخمة والأمن السيبراني وأنظمة اتخاذ القرار الذكية. ومن هنا فإن بناء المفاعل النووي يجب ألا ينظر إليه على أنه مشروع هندسي منفصل بل باعتباره منصة وطنية ذكية تمثل إحدى الركائز الأساسية للمدن الذكية والدولة الذكية والاقتصاد الرقمي.
ومن هذا المنطلق تقترح هذه الدراسة إنشاء منصة وطنية متكاملة يمكن تسميتها بمنصة الطاقة النووية الرقمية الذكية بحيث تعمل كالعقل الرقمي للمفاعل النووي ولكل ما يرتبط به من بنية تحتية وطنية.
ولا يقتصر دور هذه المنصة على تشغيل المفاعل وإنما تمتد لتربط بين إنتاج الطاقة وإدارة المياه وتحلية مياه البحر وشبكات الكهرباء الذكية والمدن الذكية والمناطق الصناعية ومراكز البيانات والموانئ والمطارات ووسائل النقل الذكية والهيدروجين الأخضر والمركبات الكهربائية ذاتية القيادة لتصبح جميعها جزءًا من منظومة رقمية واحدة تتبادل البيانات بصورة لحظية وتتخذ القرارات بصورة ذكية. وتبدأ هذه المنصة من مرحلة جمع البيانات حيث يتم تزويد جميع أجزاء المفاعل النووي بآلاف وربما ملايين الحساسات الرقمية التي تقوم بقياس درجات الحرارة والضغط والإشعاع وسرعات التدفق وحالة المضخات والصمامات والتوربينات والمولدات وأنظمة التبريد وخزانات الوقود وأنظمة الحماية. ولا تقتصر عملية جمع البيانات على داخل المفاعل بل تمتد إلى محطات الطقس والأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار وشبكات الكهرباء ومحطات تحلية المياه والمناطق الصناعية والمدن الذكية بحيث يتم إنشاء منظومة وطنية متكاملة للبيانات تعمل بصورة مستمرة وعلى مدار الساعة.
وتنتقل هذه البيانات إلى قاعدة بيانات وطنية ضخمة يتم فيها تخزين جميع المعلومات التاريخية والتشغيلية والهندسية والبيئية والاقتصادية والأمنية داخل منصة موحدة تعتمد على الحوسبة السحابية ومراكز البيانات الوطنية. وتشمل هذه القاعدة بيانات التشغيل وبيانات الصيانة وبيانات الإشعاع وبيانات إنتاج الطاقة والمياه وبيانات الانبعاثات وبيانات استهلاك الوقود والبيانات البيئية وبيانات الأمن السيبراني إضافة إلى قواعد المعرفة الهندسية والأنظمة التشريعية والخبرات التشغيلية المتراكمة. وتصبح هذه القاعدة المرجع الوطني الذي تعتمد عليه جميع عمليات التحليل واتخاذ القرار.
وفي قلب هذه المنصة يعمل محرك متقدم للذكاء الاصطناعي يمثل العقل الحقيقي للنظام بأكمله حيث يقوم بتحليل ملايين البيانات الواردة في الزمن الحقيقي واكتشاف الأنماط غير الطبيعية والتنبؤ بالأعطال قبل حدوثها وتحليل المخاطر التشغيلية وتقدير العمر الافتراضي للمعدات وتحسين كفاءة استهلاك الوقود والطاقة والمياه كما يقوم بتحليل الأحمال الكهربائية المتوقعة وربطها بالنمو السكاني والتوسع العمراني والتوسع الصناعي واحتياجات المدن المستقبلية. كما يستطيع النظام إجراء تحليلات اقتصادية لحساب تكاليف التشغيل والصيانة والعوائد الاستثمارية ومقارنة السيناريوهات المختلفة واختيار البدائل الأكثر كفاءة من الناحية الاقتصادية والبيئية.
ولزيادة دقة التحليل تعتمد المنصة على إنشاء توأم رقمي وطني للمفاعل النووي بحيث يتم بناء نسخة رقمية مطابقة للمفاعل الحقيقي تتلقى البيانات بصورة مباشرة من جميع الحساسات وتعرض الحالة التشغيلية لجميع الأنظمة في الزمن الحقيقي. ويسمح هذا التوأم الرقمي بإجراء آلاف عمليات المحاكاة دون التأثير على المفاعل الفعلي حيث يمكن اختبار سيناريوهات ارتفاع الطلب على الكهرباء أو زيادة احتياجات تحلية المياه أو تعطل أحد الأنظمة أو حدوث زلزال أو فيضان أو عاصفة رملية أو هجوم سيبراني أو انقطاع في شبكات النقل أو توسع عمراني جديد. وبعد تحليل جميع هذه السيناريوهات يقوم النظام باختيار أفضل البدائل التشغيلية وتقديمها لصناع القرار مع بيان الآثار الاقتصادية والبيئية والاجتماعية لكل خيار. وتعتمد المنصة كذلك على منظومة متكاملة من الروبوتات الذكية والطائرات ذاتية التشغيل التي تعمل داخل المفاعل وخارجه حيث تقوم الروبوتات بأعمال الفحص والصيانة والتصوير وقياس الإشعاعات ومراقبة الأنابيب والخزانات ونقل المعدات والعمل في المناطق ذات الإشعاع المرتفع التي يصعب دخول الإنسان إليها. كما تقوم الطائرات بدون طيار بمراقبة المنشآت الخارجية وخطوط الكهرباء وشبكات المياه ومحيط المنشأة النووية ونقل الصور والبيانات بصورة مباشرة إلى مركز القيادة. ويقوم الذكاء الاصطناعي بتنسيق عمل جميع هذه الروبوتات وإدارة مهامها وتوزيع الأعمال بينها وفق أولويات التشغيل ومستويات الخطورة.
ونظرًا لأن جميع هذه الأنظمة تعتمد على الاتصال الرقمي فإن الأمن السيبراني يصبح جزءًا لا يتجزأ من المنصة حيث يتم إنشاء مركز وطني للأمن السيبراني النووي يعمل بصورة مستمرة على مراقبة جميع شبكات الاتصال وأنظمة التحكم وقواعد البيانات واكتشاف محاولات الاختراق والهجمات الإلكترونية قبل وصولها إلى الأنظمة التشغيلية مع استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل سلوك الشبكات والتنبؤ بالتهديدات المستقبلية ووضع خطط الاستجابة الفورية لها.
ولا تقف فوائد هذه المنصة عند حدود تشغيل المفاعل النووي وإنما تمتد إلى إدارة المدينة الذكية بأكملها حيث تصبح الطاقة النووية المصدر الرئيس لتغذية شبكات الكهرباء الذكية ومحطات تحلية المياه ومراكز البيانات والمصانع الذكية والمستشفيات والمطارات والموانئ وأنظمة النقل الذكية والبنية التحتية الرقمية. كما تستطيع المنصة تحليل الطلب المستقبلي على الطاقة وربطه بخطط التنمية العمرانية والزيادة السكانية والتوسع الصناعي وإنشاء المدن الجديدة بحيث تصبح عملية إنتاج الطاقة جزءًا من التخطيط الحضري والاقتصادي للدولة وليس مجرد نشاط هندسي مستقل.
ومن المتوقع أن يؤدي إنشاء مثل هذه المنصة إلى ظهور جيل جديد من الوظائف والتخصصات التي لم تكن موجودة من قبل مثل هندسة الذكاء الاصطناعي النووي وإدارة التوائم الرقمية النووية وصيانة الروبوتات الصناعية النووية وتحليل البيانات النووية والأمن السيبراني النووي وإدارة البنية التحتية الرقمية للطاقة وهندسة الأنظمة الذاتية التشغيل وتطوير برمجيات التحكم الذكية. وهذا يعني أن المشروع النووي لن يكون مشروعًا للطاقة فقط، بل هو مشروع وطني لبناء اقتصاد معرفي وصناعات تقنية متقدمة وتوطين التقنيات الحديثة وإعداد الكفاءات الوطنية للمستقبل. واقترح أن يختار لها موقع ناء عن المدن،وأن يكون الموقع استرتيجيا لإمكانية بيع الطاقة للدول المجاورة.
ومن منظور نظرية التحول الحضري الرقمي الذكي فإن هذه المنصة تمثل انتقالًا من مفهوم المفاعل النووي التقليدي إلى مفهوم البنية التحتية النووية الرقمية الذكية التي تصبح فيها محطة الطاقة عقدة معرفية ورقمية داخل شبكة وطنية متكاملة تضم جميع مرافق الدولة. وفي هذا النموذج لا يصبح المفاعل مجرد مصدر لإنتاج الكهرباء بل مركزًا لإنتاج البيانات والمعرفة واتخاذ القرار ودعم التنمية المستدامة وإدارة المدن الذكية وتحقيق التكامل بين الطاقة والاقتصاد والبيئة والتقنية. وبهذا تتحول الطاقة النووية من مشروع هندسي مستقل إلى أحد أهم الأعمدة التي يقوم عليها اقتصاد الذكاء الاصطناعي والدولة الرقمية والمدن الذكية خلال العقود القادمة وهو ما يمثل أحد التطبيقات العملية المتقدمة لنظرية التحضر الرقمي الذكي(SDUT) ( الفايز 2025) ويضيف بعدًا جديدًا لمفهوم البنية التحتية الذكية التي لا تعتمد فقط على إنتاج الموارد وإنما على إدارة المعرفة والبيانات والقرارات بصورة متكاملة وذكية بما يخدم الإنسان والتنمية والاستدامة.