نجاح لافي سالم التومي
بين عراقة الماضي وإشراقة الحاضر، تقف الحدود الشمالية كشاهدٍ حقيقي على تحولات الوطن الكبرى. إنها الأرض التي طالما ارتبطت بالكرم والسكينة، وتتحول اليوم إلى ساحة حية للتجدد والنهضة. من هنا، من أطراف الوطن التي ينبض قلبها بالحب والعطاء، تبدأ حكاية ذاكرة لا تُنسى، بل تعيد كتابة نفسها بروح العصر.
وتتجلى هذه الأصالة في ذلك الارتباط الأزلِيّ بين الإنسان وأرضه؛ ارتباطٍ لا تطويه السنون، ولا تُغيره تحولات الزمان. فالشمال ليس مجرد جغرافية تحيط بنا، بل هو هوية نتردد في صدائها، وجذور غائرة في عمق التاريخ الثقافي والاجتماعي للمملكة.
هذا التلاحم الفريد بين أبناء وبنات الشمال وأرضهم يصنع حالة استثنائية؛ حيث تلتقي قيَم الكرم وشيم البادية بوعي الحاضر وتطلعات المستقبل. إنها أصالةٌ لا تنكفئ على الماضي، بل تتكئ عليه لتبني حاضراً واثقاً، فتجد ابن الشمال يحمل في وجدانه العزيمة على الانتماء العميق إلى عطاءٍ ومشاركةٍ فاعلة في مسيرة نهضة الوطن.
ومع هذا التجدد المشهود يظل الارتباط بالأرض هو البوصلة التي توجّه كل خطوة لتبقى الحدود الشمالية حارسةً لأصالتها وشاهدةً على أن الوطن العظيم ينمو ويتحضر، دون أن يفقد نبضه الأول أو يتخلى عن هويته الرفيعة.
لم يكن الشمال يوماً مجرد جغرافيا عابرة، بل كان ولا يزال بيئةً حاضنة وملهِمة للمبدعين، والشعراء، والمفكرين
وهذا الثراء الوجداني والجغرافي في الشمال لم يكن مجرد موروثٍ يتناقله الناس، بل حظي باهتمامٍ بالغ ورعاية كريمـة جعلت من المنطقة بيئةً خصبة للثقافة والفنون. فقد أثمر الدعم المستمر والرؤية الحكيمة للقيادة الرشيدة —حفظها الله— في فتح آفاق واسعة للمبدعين من أبناء وبنات المنطقة وزوّارها عبر إقامة المهرجانات الثقافية، ودعم المبادرات الأدبية، وتوفير المنصات التي تحتضن الموهوبين وتبرز إبداعاتهم.
التمكين الثقافي اليوم والدعم المتواصل لم يكتفِ بالحفاظ على الهوية الأصيلة للشمال فحسب، بل حوّل الطاقات المبدعة إلى جزءٍ أصيل من الحراك الثقافي الوطني، ليغدو الشمال اليوم نموذجاً يجمع بين إلهام الطبيعة ورعاية القيادة لإبداع الإنسان.
ولا يكتمل الحديث عن نهضة الشمال وجمال حراكه الثقافي والاجتماعي، دون الوقوف إجلالاً وتثميناً للرعاية الكريمة والجهود الملموسة التي يوليها صاحب السمو الملكي أمير المنطقة فيصل بن خالد بن سلطان ال سعود- حفظه الله-، والذي جعل من خدمة الشمال وأهله نهجاً يومياً ورسالة سامية.
فشكراً لسموّ الأمير الذي لا يكتفي بأداء الواجب، بل يغمر المنطقة بحبه وحرصه، ليظل الشمال في ظله واحةً للأصالة، وموطناً للنهضة الشاملة.
واليوم يمتد الشمال فينا مثل جَذرٍ عريق غارسٍ بقلب الأيام.. من سعة صحاريه وهيبيّة هضابه، لضيق حواريه القديمة اللي ضمّت أوّل الذكريات وأصغر حكايات.
نحتري ذاك الليل اللي يلمّنا على شبّة النار، يوم السوالف تجرّ السوالف، والدّلة تدور بين قلوبٍ بيضاء ما تعرف للزيف طريق.
هناك.. بين بساطة الأيام وراحة البال، كانت السوالف تكتمل، وجلسات السمر تزين على صوت «السامري» وذاك الطرب الأصيل. ومع كل ما تكسر البرد نُسيمة وتجينا «هبّت هبوب الشمال» تعزف على أوتار الحنين، وتنسج لنا ألحان دافئة تتعدى السنين.. وتبقى حية بالبال ما تمحيها الأيام.
في ختام هذه السطور الأولى، يظل الشمال بالنسبة لي ليس مجرد حكايات تُروى أو ذكريات يُطوى سِجلّها، بل هو المطلع والأصل، والملهم الذي أستمد منه نبض قلمي. وإن كانت هذه المساحة هي مصافحتي الأولى لكم عبر صحيفة الجزيرة والتي تشرفت في الانضمام إليها فإنني أعدكم أن يظل حرفي أميناً لدفء هذا المكان، ووفياً لرائحة أهله وأصالته.
** **
كاتبة مرخصة من الهيئة العامة للإعلام - الحدود الشمالية - رفحاء