عبدالعزيز صالح الصالح
تارة يتحول النَّقَّاش إلى جدل عقيم، و تارة يتحول إلى خصام عنيف، وتارة تتحول المبادئ والقيِّم والمثل والأخلاق إلى رماد و الجدل ضرب من العبث، فإذا كان خصمك يريد الانتصار بالحق، أو بالباطل أو بطول اللِّسان, أو بقوَّة الحنجرة, فهذا الأمر مستحيل أن ينتصر فالنَّفَّاش يحتكم إلى المنطق، وإلى الواقع وإذا سلك طريق الكذب والخداع فإنه يفسرها تفسيراً يخدم هدفه وغايته، وإن سلك مسلكاً غيره تحول الأمر إلى عناداً فكيف تناقشه، فكيف يلتقيان الاثنان إذا كان كل واحد منهم يريد الانتصار ويريد الحق ويسلك مسلك التهويش وأنت تسلك طريق المنطق وتلتزم بصحة الواقع، والطرف الثاني لا يلتزم هو بشيء من الحقيقة ففيم الجدل؟
فإذا كان خصمك قد وضع في نصب عينيه في جدله أن يصل إلى منفعته الشَّخصيَّة، ووضع الطرف الثَّاني نصب عينيه إلى طريق الحق فكيف يلتقيان ؟ فهناك فئة من البشر يتحجر عقلها على عقائد اعتقدها، أو مبادئ اعتنقها فكيف تلينه بعد هذا التحجر؟ وكيف تكسبه المرونة بعد هذا التصلب، فالجدل ينفع قوم يبرهنون ويعتقدون لا قوم يعتقدون ثم يبرهنون.
لقد كره الإسلام الإمعان في الجدل، وذم قوماً يختصمون - فقد قال نبي الأمة صلوات الله وسلامه عليه [ما ضل قوم قط إلا أوتوا الجدل, فلم هذا الإسراف في المخاصمة والإمعان في المجادلة] انظر إلى اللِّقاءات والحوارات التي تعرض عبر القنوات الفضائية، كيف يدور الحوار بينهم وكيف يتجادلون ويمعنون في الجدل والخصام والملاسنة والمماحكة، وبعد هذا الحوار الطويل لا يقفون عند منطق واحد ولا يقتنعون ببرهان واحد وكل ما فعل خصمهم السياسي فهو ضلال وكل ما فعل حزبهم فهو حق، وهو صواب، حتى لو فعل خصمهم ما طلبوا منه أن يفعل لجرحوه في فعله ورموه بسوء القصد من هدفه.
فهناك فرق كبير بين النقد الذي يخضع للمنطق وللبرهان وبين اللجاجة في الجدل بالتهويش والسباب والتشهير والإمعان في الخصومة. فالأمر ليس أمر مسألة تدرس ، وبرهان يقام، ووجهة نظر تعرض أو تنقد، ولو كان هذا لسهل التفاهم، إنما الأمر أمر تكبر وعناد وسقوط وفئة تريد الانتصار، وكل هذا الجدل ليس إلا فئة تخدم عرضاً باطلاً فكيف يكون التفاهم؟
فإن الجدل إلى الوصول إلى الحق لا يخرج الإخوان عن الصفاء، ولأ يمس صداقة الأصدقاء، بل يكون الجدل أفعل في توكيد الصداقة، وتثبيت العلاقة بين الطرفين.
أما الجدل لغرض ما فإنه يفسد العلاقة ويقلب الصداقة عداوة ، أنه ليس إلا وسيلة للانتقام، وشفاء الغليل. حيث يستعرض الجدل تارة داخل المنتديات والمجالس العامة والخاصة ، وتتشعب الآراء ويطول الجدل ويكثر الاستطراد، وسرعان ما تنقلب هذه الحوارات إلى معركة كلامية تفقد بهجتها ولذتها وينقلب إلى جدل يغيض.
ما سر هذا الجدل ؟ سره في قلة العقل فاقل البشر عقلاً أكثر هم كلاماً، ومن لم يحاسب نفسه على ما يقول قال ما يشتهي. فما سره في عدم ضبط النفس البشريَّة، فالنفس البشريَّة إذا لم يكن لها ضابط من عقل وحكمة شردت وذهبت كل مذهب وما سره في الرأي العام الذي لا يحتقر الجَدِل، بل هو يطوي طول لسانه وكثرة لحِاجته وشدة إمعانه. وما سره في عدم تقويم الزمان، فلا بأس عند البشر أن تضيع الساعات في كلام فارغ وجدل تافه، فهم يتفكهون بهذا كما يتفكهون بلعب النرد والشطرنج.
وما سره في تشتيت العقل ، فالتفاهم يقرب العقل - فإن كنت صاحب رؤية، وعقلاً واعياً ومدركاً عواقب الجدل اقتصر من وقتك وثوران نفسك.