عايض بن خالد المطيري
حين تستضيف دولة بطولة كأس العالم، فإنها لا تراهن على نجاح التنظيم وحده، بل تسعى لأن يكون منتخبها الوطني جزءًا من قصة النجاح. وهذا ما تعمل عليه المملكة اليوم؛ فالدولة لم تدخر وسعًا في دعم القطاع الرياضي، وضخت استثمارات غير مسبوقة في البنية التحتية، واستقطاب الكفاءات، وتطوير المسابقات، وإنشاء الأكاديميات، حتى أصبحت الرياضة أحد أبرز مشاريع رؤية المملكة 2030. ومع ذلك، يبقى السؤال حاضرًا كلما تراجعت نتائج المنتخب الوطني: أين تكمن الحلقة التي لا تزال تعطل الوصول إلى المستوى الذي يوازي حجم هذا الاستثمار؟
ليس من المنطق أن تُختزل الإجابة في المدرب، أو اللاعب، أو اتحاد اللعبة، لأن المشهد أكبر من ذلك بكثير. فالمنظومة الرياضية السعودية قطعت شوطًا كبيرًا في التطوير، إلا أن صناعة المنتخب الوطني تبدأ قبل صافرة المباريات بسنوات، وتحديدًا عند اكتشاف الموهبة، واختيارها، وصقلها، ثم منحها الفرصة للوصول إلى قميص المنتخب.
في معظم المبادرات الوطنية الكبرى، لا يُترك اختيار المتميزين للاجتهادات الفردية. فالمسابقات الثقافية، وبرامج الابتكار، والمنافسات العلمية، وحتى اكتشاف المواهب الإعلامية، تعتمد لجانًا متخصصة تجوب المناطق، وتخضع المرشحين لمراحل دقيقة من التقييم والفرز، حتى تصل إلى النخبة وفق معايير واضحة ومعلنة. هذه المنهجية لم تأتِ من فراغ، بل لأنها تمنح الجميع فرصة متكافئة، وتزيد من احتمالية الوصول إلى الأفضل.
أما في الرياضة، فلا يزال الانطباع السائد لدى شريحة واسعة من المتابعين أن آليات اكتشاف المواهب لا تحظى بالمستوى ذاته من التنظيم والاتساع، وأن كثيرًا من الطاقات المميزة قد تبقى بعيدة عن دائرة الرصد، خصوصًا في الأندية الصغيرة والأكاديميات الناشئة والمناطق البعيدة عن الأضواء. وقد يكون هذا الانطباع صائبًا أو يحتاج إلى مراجعة، لكنه في كل الأحوال يستحق أن يُناقش بجدية، لأن المنتخب الوطني يجب أن يكون حصيلة بحث شامل عن أفضل العناصر، لا نتيجة لما هو متاح أمام أعين الكشافين فقط.
من هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى مشروع وطني مستقل لاكتشاف المواهب الرياضية، يعمل وفق منهجية مؤسسية واضحة، من خلال لجان فنية متخصصة تجوب جميع مناطق المملكة، وترصد المواهب في الأندية والأكاديميات والمدارس والدورات المحلية، ثم تخضعها لاختبارات موحدة تقيس الجوانب الفنية والبدنية والذهنية، قبل إدراجها في قاعدة بيانات وطنية تُحدَّث باستمرار، لتكون المرجع الأول للمنتخبات الوطنية بمختلف فئاتها.
ولا يقف الأمر عند حدود الاكتشاف، بل يمتد إلى بناء مسار تطوير متكامل لكل موهبة يتم اختيارها، بحيث لا تضيع بين تعدد الجهات أو اختلاف البرامج، بل تنتقل وفق خطة واضحة حتى تصل إلى المنتخب الأول. فالمنتخبات الكبرى لا تُصنع قبل البطولات بأشهر، وإنما تُبنى عبر سنوات من التخطيط والاستمرارية.
وقد يكون من المناسب أن تحظى هذه المبادرة بإشراف مباشر من جهة عليا، بما يضمن استقلاليتها، ووحدة معاييرها، وتكاملها مع الجهات الرياضية ذات العلاقة، انسجامًا مع النهج الذي تبنته الدولة في كثير من المشاريع الوطنية الكبرى التي حققت نجاحات لافتة عندما ارتبطت بحوكمة واضحة ومتابعة دقيقة.
إن السعودية اليوم تمتلك كل مقومات النجاح؛ منشآت عالمية، ودوريًا قويًا، واستثمارات ضخمة، وخبرات دولية، وطموحًا يستعد لاستضافة أكبر حدث كروي على وجه الأرض. وما تبقى هو أن يصل قميص المنتخب إلى أفضل لاعب سعودي، أينما كان، عبر منظومة تجعل معيار الاختيار هو الكفاءة وحدها، وتمنح كل موهبة فرصة عادلة لإثبات نفسها.
فعندما تصبح رحلة اكتشاف اللاعب الموهوب مشروعًا وطنيًا قائمًا على معايير دقيقة وشفافة، فإن نتائج المنتخب لن تكون رهينة الصدفة أو الاجتهاد، بل ثمرة منظومة تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، وأن الطريق إلى منصة التتويج يبدأ دائمًا من حسن الاختيار.