د. أبوبكر إبراهيم محجوب
فازت إسبانيا بكأس العالم.
وخسرت الأرجنتين، وخسر معها ميسي. واحتفلت الجماهير الإسبانية بالنجمة الثانية في تاريخها، في إنجاز سيبقى طويلًا في ذاكرة كرة القدم. لكن في فضائنا الرياضي، لم تستمر المباراة بين إسبانيا والأرجنتين وحدهما لفترة طويلة. فبعد دقائق من صافرة النهاية، عاد اسم كريستيانو رونالدو إلى المشهد. ظهرت المقارنات القديمة، واستُعيدت الأرقام والمقاطع والتصريحات، وتحولت خسارة ميسي لدى بعض المتابعين إلى انتصار جديد لمنافسه التاريخي، رغم أن كريستيانو لم يكن طرفًا في المباراة.
وفي الجهة المقابلة، بدأ بعض أنصار ميسي في البحث عن كل ما يحمي صورة نجمهم من أثر الهزيمة؛ ربما الإرهاق، أو الطرد، أو خيارات المدرب، وغير ذلك. كل ذلك جزء مألوف من كرة القدم. المشجع يفرح، ويحزن، ويدافع عن لاعبه، ويمازح منافسيه. لكن ما حدث بعد النهائي تجاوز لدى بعض الجماهير حدود التفاعل الطبيعي مع نتيجة مباراة.
فبدلًا من أن تكون الليلة احتفالًا بإسبانيا، أصبحت عند فئة من الناس احتفالًا بخسارة ميسي. وبدلًا من أن تكون الهزيمة نتيجة رياضية تحتملها اللعبة، تحولت إلى حكم على تاريخ لاعب، وانتصار رمزي للاعب آخر خرج من البطولة قبل ذلك. نحن نضع الانتصارات والهزائم داخل خصوماتنا القديمة، ونمنحها المعنى الذي يحمي الجماعة التي ننتمي إليها.
الهلال والنصر يتصدران المشهد
في المجتمع الرياضي السعودي، لم تكن المنافسة بين ميسي وكريستيانو عالمية خالصة. فمنذ انتقال كريستيانو رونالدو إلى نادي النصر، أصبح بالنسبة إلى شريحة واسعة من النصراويين أكثر من نجم عالمي. أصبح قائد فريقهم، وأحد أبرز رموزه، ووجهًا ارتبط باسم النادي والدوري السعودي.
وهذا الارتباط طبيعي ومشروع. ولذلك، فمن حق المشجع النصراوي أن يدعم كريستيانو، وأن يتمنى له النجاح مع ناديه ومنتخب بلاده، وأن يشعر بالفخر بوجود لاعب بقيمته في فريقه. لكن وصول كريستيانو إلى النصر أدخل المنافسة التاريخية بينه وبين ميسي في صراع محلي أقدم وأكثر حضورًا؛ التنافس الممتد بين الهلال والنصر.
تحول الدفاع عن كريستيانو لدى بعض النصراويين إلى امتداد للدفاع عن ناديهم. وأصبح مدح ميسي يُقرأ أحيانًا بوصفه موقفًا ضد النجم البرتغالي، ومن ثم ضد النصر وجمهوره.
وفي الجهة المقابلة، وجد بعض الهلاليين، ومعهم مشجعون لأندية أخرى، في ميسي رمزًا عالميًا يمكن استخدامه لمواجهة الحضور الكبير لكريستيانو في المشهد النصراوي. وحين وصلت الأرجنتين إلى النهائي، بدا لبعض الجماهير أن معسكرًا محليًا يتقدم على آخر. فوز ميسي سيُستخدم للنكاية بالنصر وجمهوره، والعكس صحيح. وبعدما حدثت الهزيمة، تحولت خسارته إلى مناسبة احتفالية لدى فئة من النصراويين، ليس لأنها تشجع المنتخب الإسباني بالضرورة، بل لأنها حرمت منافسيهم المحليين من ورقة جديدة في الصراع.
لم تفز البرتغال
ولم يكن كريستيانو طرفًا في النهائي.. ولم يرتدِ ميسي قميص الهلال في يوم من الأيام.. ومع ذلك، دخل الهلال والنصر إلى المشهد فورًا.
احتفل بعض النصراويين بخسارة ميسي كما لو أنها انتصار جديد لكريستيانو، بينما دافع بعض الهلاليين ومنافسي النصر عن ميسي كما لو أن الهزيمة أصابت ناديهم.
انتقلت المباراة من إسبانيا والأرجنتين إلى الأزرق والأصفر، ومن كأس العالم إلى حسابات الدوري المحلي. هذه هي المنافسة العالمية بنكهة محلية. يلعب الآخرون المباراة، ثم نضع نتيجتها داخل صراعاتنا.
مصر وفرحة «رد الاعتبار»
اكتسبت خسارة الأرجنتين معنى آخر لدى جزء من الجمهور الرياضي المصري. فبعد أن أنهت الأرجنتين مشوار المنتخب المصري في مباراتهم المثيرة، والتي أعقبها الكثير من الاعتراضات على بعض القرارات التحكيمية وشعور بالمرارة لدى كثير من المشجعين.
بكل تأكيد، فإنه يحق للجمهور المصري أن يناقش تلك القرارات، وأن ينتقد الحكم، وأن يرى أن منتخبه تضرر من قرار أو أكثر. فالتحكيم جزء من اللعبة، والاختلاف حوله مشروع.
لكن بعض الخطابات تجاوزت مناقشة المباراة إلى تحميل ميسي نفسه مسؤولية ما حدث، ثم إلى النظر بريبة إلى كل من أشاد بأدائه أو احتفى بتقدم الأرجنتين في البطولة.
وعندما خسرت الأرجنتين النهائي، بدت النتيجة لدى بعض المتابعين كأنها رد اعتبار متأخر لمصر. ظهرت عبارات توحي بأن «العدالة تحققت»، وأن الأرجنتين دفعت ثمن ما حدث، وأن ميسي تلقى الجزاء الذي كان ينتظره. وكأن إسبانيا لم تفز بالبطولة، بل انتقمت للمنتخب المصري.
هذا الشعور مفهوم عاطفي؛ فالإنسان الذي يعتقد أنه تعرض للظلم يبحث عن نهاية تعيد إليه إحساسه بالتوازن. لكن خسارة الأرجنتين في مباراة لاحقة لا تثبت صحة قرار تحكيمي سابق أو خطأه.
لو فازت الأرجنتين، لما أصبح كل ما جرى أمام مصر صحيحًا تلقائيًا. وعندما خسرت، لم تتحول الاعتراضات كلها إلى حقائق مؤكدة. كل مباراة لها وقائعها، وكل قرار ينبغي أن يُناقش في سياقه، لكن الغضب القديم يجعلنا أحيانًا نستقبل الأحداث الجديدة باعتبارها أدلة في القضية نفسها.
إن خسر من نخاصمه، قلنا إن العدالة انتصرت. وإن فاز، قلنا إن المحاباة مستمرة. وفي الحالتين نصل إلى الحكم الذي نريده مسبقًا، ثم نبحث في النتيجة عما يؤيده.
لماذا يصعب علينا تقبّل الهزيمة؟
الهزيمة ليست سهلة. فهي لا تسلبنا نتيجة مباراة فقط، بل تهز أحيانًا الرواية التي بنيناها حول أنفسنا واختياراتنا. عندما نختار لاعبًا ونقضي سنوات في الدفاع عنه، لا يبقى مجرد لاعب مفضل. يصبح اختيارنا له جزءًا من صورتنا عن ذوقنا وفهمنا وقدرتنا على إصدار الحكم الصحيح.
ولهذا لا نشعر دائمًا أن لاعبنا خسر مباراة.
قد نشعر أننا رأيناه خسر، وأن السنوات التي دافعنا فيها عنه أصبحت محل اختبار، وأن الطرف الآخر سيستخدم النتيجة ضدنا.
وعندها تبدأ مقاومة الهزيمة. نبحث عن التحكيم، أو الحظ، أو الإرهاق، أو ضعف الزملاء، أو الظروف المحيطة، أو المؤامرة. وقد تكون بعض هذه التفسيرات صحيحة فعلًا، فالهزائم الرياضية لا تحدث بسبب واحد. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التفسير وسيلة لرفض النتيجة كلها، أو لإنكار تفوق المنافس في ذلك اليوم، أو لحماية صورة بطلنا من أي مراجعة.
وفي الجهة المقابلة، قد يبالغ المنتصر في استخدام النتيجة. لا يكتفي بأن يقول إن فريقه فاز، بل يحول المباراة إلى دليل نهائي على أن كل ما قاله طوال السنوات الماضية كان صحيحًا، وأن الطرف الآخر لم يكن يستحق التقدير من الأساس.
وهكذا لا يعرف أحد كيف يتعامل مع النتيجة في حجمها الطبيعي. الخاسر يرفضها. والمنتصر يحمّلها أكثر مما تحتمل. لماذا تسعدنا خسارة من لا نحب؟
هناك فرق بين الفرح بانتصار فريق نشجعه، والفرح بسقوط لاعب أو فريق لا نحبه. الأول جزء طبيعي من الانتماء الرياضي. أما الثاني فقد يتحول إلى طريقة نعرّف بها أنفسنا من خلال خصومنا.
بعض أنصار كريستيانو لا يكتفون بالقول إنهم يحبونه أو يرونه الأفضل، بل يشعرون بأن اكتمال عظمته يتطلب سقوط ميسي. وبعض محبي ميسي لا يكتفون بالاحتفاء بموهبته وإنجازاته، بل يحتاجون إلى التقليل من كريستيانو حتى يثبتوا أن اختيارهم كان صحيحًا.
في هذه الحالة، لا يعود اللاعب الذي نحبه كافيًا.
نحتاج إلى خصم دائم، وإلى هزيمته، وإلى جماعة أخرى نقارن أنفسنا بها. ولهذا كانت خسارة ميسي في النهائي أكثر أهمية لدى بعض أنصار كريستيانو من فوز إسبانيا نفسها. فانتصار المنتخب الإسباني منحهم ليلة من الفرح، أما خسارة ميسي فمنحتهم، في اعتقادهم، حكمًا نهائيًا في نقاش حول منافسة استمرت لسنوات. لكن لا توجد مباراة واحدة قادرة على حسم مقارنة بهذا الحجم.
لو فاز ميسي بالكأس، لما اختفى تاريخ كريستيانو. وعندما خسرها، لم تُضف البطولة إلى سجل كريستيانو. خروج البرتغال لم يجعل ميسي أكثر موهبة، وخسارة الأرجنتين لم تجعل كريستيانو أكثر إنجازًا. كل لاعب يحمل قيمته فيما صنعه هو، لا فيما فشل منافسه في تحقيقه.
وعندما نربط عظمة بطلنا بسقوط الآخر، فإننا لا نضيف إليه شيئًا، بل نجعل قيمته معلقة بنتائج منافسه.
حين يصبح الخصم مركز احتفالنا
من مفارقات التعصب أن الشماتة قد تمنح اللاعب الخاسر حضورًا أكبر من البطل الفائز. فالمشجع الذي أمضى ليلة تتويج إسبانيا كلها في الحديث عن ميسي، لم يحتفل بإسبانيا حقًا. ظل ميسي مركز ليلته، حتى وهو خاسر. بحث عن صوره، واستعاد مقاطعه، وكتب عنه، وانتظر ردود أنصاره، ودخل في نقاشات طويلة حول تاريخه.
أما لاعبو إسبانيا الذين رفعوا الكأس، فتحولوا إلى خلفية للمشهد عند شريحة من الجمهور. نقول إننا نريد إسقاط الخصم، ثم نجعله مركز اهتمامنا.
نريد التقليل منه، فنمنحه ساعات من وقتنا ومساحات من حديثنا. نحتفل بخسارته، لكن فرحتنا كلها تبقى مرتبطة باسمه. وهكذا يصبح الخصم ضرورة نفسية. لو اختفى من المشهد، فقد نفقد معه جزءًا من شعورنا بالتفوق، لأننا لم نبنِ هويتنا الرياضية حول ما نحبه فقط، بل حول مَن نريد هزيمته، وربما يكون ذلك جزء من متعة كرة القدم.
الهزيمة خارج الملاعب
هذا السلوك لا يتوقف عند كرة القدم. نحن نكرره في العمل والمجتمع والنقاشات العامة. قد نرفض الاعتراف بنجاح مشروع لأن إدارة ننافسها هي التي قادته. وقد نبحث عن عشرات الأعذار لفشل شخص قريب منا، بينما نتعامل مع الخطأ نفسه لدى خصمنا بوصفه دليلًا على عدم كفاءته.
وقد نشعر بالارتياح عندما يفشل زميل متفوق، لا لأن فشله سيحسن العمل، بل لأنه يخفف شعورنا بأنه سبقنا. وقد يتحول سقوط شخص ناجح إلى مناسبة للاحتفال، لأن وجوده كان يذكّر الآخرين بما لم يحققوه. وفي كل مرة نتصرف بهذه الطريقة، نعتقد أننا نحمي أنفسنا، بينما نكشف هشاشة علاقتنا بالخسارة.
فالإنسان الواثق يستطيع أن يقول: خسرت. يستطيع أن يعترف بأن الطرف الآخر كان أفضل هذه المرة. ويستطيع أن يراجع أخطاءه دون أن يشعر بأن المراجعة إهانة له. أما من يربط قيمته بالانتصار الدائم، فسيحتاج بعد كل هزيمة إلى عذر، أو خصم، أو مؤامرة، أو نتيجة لاحقة تنتقم له. وهكذا تتحول الخسارة من تجربة يمكن التعلم منها إلى جرح يجب الدفاع عنه.
الإنصاف لا يلغي المنافسة
ليس المطلوب أن نتوقف عن التشجيع أو المناكفة، ولا أن يصبح الجمهور محايدًا أمام كل مباراة. كرة القدم تفقد جزءًا كبيرًا من سحرها إذا اختفت المنافسة، والانفعالات، والمزاح بين المشجعين.
من حق النصراوي أن يحتفي بكريستيانو، ومن حق الهلالي أن يمازحه، ومن حق المصري أن يغضب لخروج منتخبه ويناقش التحكيم. لكن المنافسة لا تحتاج إلى إلغاء الآخر.
يمكن أن تفرح بخسارة خصمك في حدود اللعبة، دون أن تجعل النتيجة مبررًا لهدم تاريخه. ويمكن أن تمازح أنصاره، دون أن تحول كل إنجاز حققه إلى مؤامرة. ويمكن أن تفضل كريستيانو، وتعترف بأن ميسي واحد من أعظم من لعبوا كرة القدم.
كما يمكن أن تحب ميسي، دون التقليل من انضباط كريستيانو وأرقامه وتأثيره التاريخي. لقد قدّم اللاعبان نموذجين مختلفين للعظمة.
ميسي بموهبة فطرية ورؤية كروية نادرة، وكريستيانو بانضباط استثنائي وقدرة مستمرة على تطوير نفسه وتحدي الزمن. ولم يكن وجود أحدهما عبئًا على الآخر، بل كان جزءًا من عظمة المرحلة كلها.
دفع كل منهما الآخر إلى المحافظة على مستوى مرتفع، ورفعا معًا سقف التوقعات، ومنحا الجمهور قصة امتدت قرابة عقدين. إن محاولة حذف أحدهما من الحكاية لا تجعل الآخر أعظم. فالرواية الكبيرة لا تصبح أجمل بتمزيق نصف صفحاتها.
الفرح الأصعب
فازت إسبانيا بكأس العالم، واستحقت أن تكون بطلة المشهد. وخسر ميسي النهائي، لكن ما جرى بعد النتيجة كشف أن الخصومة قد تصبح أقوى من المحبة، وأن سقوط المنافس قد يطغى على نجاح البطل نفسه.
لا نعرف إن كان كريستيانو قد فرح بخسارة ميسي، ولا نحتاج إلى تخمين مشاعره. لكننا رأينا كثيرين يفرحون نيابة عنه. ورأينا آخرين يرفضون الهزيمة نيابة عن ميسي.
وبين الفرحتين، تحولت مباراة كرة قدم إلى فصل جديد في صراع الهلال والنصر، وإلى رد اعتبار لدى بعض المصريين، وإلى محاكمة جديدة لمسيرتين استثنائيتين. هنيئًا لإسبانيا كأس العالم. أما الفوز الأصعب لمجتمعاتنا الرياضية، فهو أن نخرج من كل هذه الحروب محتفظين بقدرتنا على الإنصاف.