محمد بن عبدالله آل شملان
في موكب الراحلين إلى خلود الآخرة، تمر الأيام والسنون لتُطوى سبع سنوات كاملة على رحيل نجل من غرسوا في الأرض مجداً، وفرعٍ من دوحة الجود والعطاء والمكانة؛ الأمير بندر بن عبد العزيز آل سعود -رحمه الله وغفر له-. سبعة أعوام مرت على ذلك اليوم الذي اهتزت فيه مشاعر الوطن حزناً على غياب قامة حملت من وقار التاريخ، وحكمة الكبار، ونقاء السيرة ما يجعله حياً في القلوب لا يغيب.
تمر السنون وتتوالى، لكن أثر الكبار لا يُمحى، وذكراهم تظل نابضة في وجدان الوطن كقصيدة وفاء لا تنتهي.
رحل الأمير الزاهد والخلف الصالح في 28 يوليو 2019م، تاركاً إرثاً ناصعاً من الورع والتديّن، بعد حياة حافلة قضى سحابتها في كنف والده المؤسس الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه-، فتشرب من نميره مكارم الأخلاق والشيم والقيم العربية الأصيلة، ونشأ على مائدة التربية الإسلامية الصحيحة التي صاغت شخصيته الفريدة المترفة بالتقوى والترفع عن وهج المناصب وصخب السياسة.
شكل الراحل الكبير -يرحمه الله- محوراً وثيقاً للتقدير والاحترام المتبادل بين إخوانه الملوك؛ فكان القريب الحبيب لقلوبهم منذ عهد الملك سعود، مروراً بفيصل وخالد وفهد وعبدالله -رحمهم الله جميعاً-، وصولاً إلى عهد أخيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله ورعاه-.
وامتداداً لروحه التواقة لكل ما يخدم الدين، ارتبط الأمير الراحل بعلاقات وثيقة بالعلماء والمشايخ الأجلاء وأئمة الحرمين الشريفين، ويبرز في هذا السياق الرابط الروحي والعملي الذي جمعه بمعالي الشيخ محمد الحركان -رحمه الله- أمين رابطة العالم الإسلامي في منتصف التسعينات الهجرية؛ حيث كان قصر الأمير فواز بجدة شاهداً على لقاءاتهم المتكررة التي كان الأمير بندر يحرص عبرها على متابعة برامج الرابطة وأحوال الأقليات المسلمة في آسيا وأوروبا وإفريقيا. وبفضل مكانته العظيمة، كان الشيخ الحركان يستعين بجهوده المباركة ويزوره للعرض السريع على الملك خالد -رحمهم الله جميعاً-، دعماً للمسلمين ومناصرة لقضاياهم، فكانت مساعيه سبباً في بناء المساجد، والمعاهد، والمراكز الإسلامية حول العالم.
لم يكن مجلس الأمير بندر مجرد مكان للاجتماع، بل كان مدرسةً عريقة للعلوم والمعارف، غاصةً بالعلماء وطلبة العلم الذين كان يقربهم ويأنس بمجالستهم، فلا يهدأ مجلسه إلا على آيات الذكر الحكيم والتدبر، حريصاً على نقل هذه المنارة الربانية إلى أبنائه وأحفاده برعايتهم وتربيتهم تربية إسلامية قويمة. وقد تجلى هذا الشغف الإيماني في ولعه ببناء المساجد وتفقدها وإعمارها بأفخر المصاحف والكتب؛ ولعل الصرح الشامخ «جامع والدة الأمير بندر بن عبدالعزيز» الذي يقف اليوم معلماً بارزاً في شمال الرياض عند التقاء طريقي أبي بكر الصديق والأمير محمد بن سلمان، هو الشاهد الحي على برّه الواصل وعطائه الذي لا ينقطع.
أما الجانب الإنساني والثقافي في شخصيته، فقد تميز -رحمه الله- بمعرفة متأصلة بالتاريخ والسير، وتذوق رفيع للأدب والشعر الهادف الذي يحمل المعاني السامية بعيداً عن المدح والتكسب. ورغم زهده في تولي المناصب الرسمية بملء إرادته، إلا أنه ظل يؤدي من خارج المنظومة الحكومية مهاماً جليلة وأعمالاً كبرى، مستشعراً الأمانة التاريخية كونه أحد أبناء الملك المؤسس؛ ليؤكد بأفعاله أن العلاقة بين الحاكم والشعب في هذه البلاد هي نسيج واحد من المحبة والوفاء، يزداد قوةً وثباتاً مع مرور الأيام. رحم الله الأمير بندر، وجعل ما قدمه في موازين حسناته.
لم تكن غيبوبة الموت غياباً للأمير بندر بن عبدالعزيز، بل كانت امتداداً لروحه وفكره في أجساد أبنائه الذين صاغهم بقلبه وعقله. فرغم أنه آثر الابتعاد عن بريق المناصب الحكومية، إلا أنه وهب الوطن أغلى ما يملك: صفوة من الرجال الذين تخرجوا من مدرسته، وتشرّبوا قيم التربية الإسلامية النبيلة، ليكونوا حصناً للبلاد في شتى الميادين القيادية والعسكرية.
تجلت هذه التربية الصالحة في مسيرة أبنائه الكرام بدءاً من الأمير فيصل بن بندر الابن الأكبر الذي نقش اسمه بمداد من العطاء على مدار أربعة عقود، متنقلاً من عسير إلى القصيم، حتى غدا أميراً للعاصمة الرياض برؤيته الحكيمة وولائه الممتد لملوك الدولة، والأمير منصور بن بندر القائد المحترف الذي حلق برتبة لواء طيار ركن، باسطاً حمايته على قواعد جوية استراتيجية في الظهران وجدة، ثم الأمير خالد بن بندر القائد العسكري الفذ الذي تدرج في سلاح المدرعات والقوات البرية برتبة فريق ركن، واضعاً بصماته القيادية في إمارة الرياض، ووزارة الدفاع، ورئاسة الاستخبارات، حتى استقر مستشاراً أميناً للقيادة، ثم الأمير عبدالعزيز بن بندر مهندس الإنجازات الإدارية والمبادرات النوعية، الذي قاد بكفاءة منصب مساعد رئيس الاستخبارات العامة والأمير تركي بن بندر الفريق ركن طيار الذي يحمل أمانة قيادة القوات الجوية، مجسداً أعلى مستويات الاحترافية العسكرية، والأمير عبدالله بن بندر الوزير الشاب الذي ترك في مكة المكرمة أثراً لا يمحى، ليتولى اليوم وزارة الحرس الوطني مقلداً بثقة سمو ولي العهد لإدارة أعقد الملفات واللجان.
إن أبناء الأمير بندر جميعاً، سواء في خدمة الدولة أو خارجها، يحملون إرثاً لا يفنى من الأدب الرفيع، والتواضع النبيل، وحسن التعامل مع الجميع. لقد رحل الأمير الجليل، لكن مدرسته باقية في قلوب أبنائه الذين يسيرون على نهجه، مخلصين للعهد والوطن.
وختاماً، لا يمكن لمداد القلم أن يتجاوز تلك اللوحات الإنسانية المؤثرة التي رسمتها جموع الوفاء، ونقلت تفاصيلها وسائل التواصل الاجتماعي؛ حشود بشرية عظيمة ضاقت بها المساحات واتسعت لها القلوب، قدمت من كل حدب وصوب لتودع الراحل الكبير في قصره بالرياض. تلاقت هناك الأجيال، من كبار السن والشباب والصغار، بلسان واحد يفيض بالذكر الطيب والدعاء العاطر لمقامه الكريم.
فيا ربّ اغفر للأمير بندر بن عبدالعزيز، وأسكنه دار الرضوان في الفردوس الأعلى، واجزه خير ما يُجزى به العباد المخلصون على عطائهم لدينهم ووطنهم وأمتهم. ستعيش سيرته ومسيرته منارة مضيئة في ذاكرة هذا الوطن العظيم، الذي يحفظ ود رجاله المخلصين إلى الأبد.