خالد محمد الدوس
قال الله تعالى:
(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران: 185).
بهذه الآية البليغة التي تذكرنا بحقيقة المقرّ الذي لا مفر منه، وبأن الحياة الدنيا ليست سوى رحلة عابرة، نستقبل نبأ رحيل أحد رجالات الوطن المخلصين، المهندس محمد بن عبد الله الغنيمي، مدير عام التشغيل والصيانة بوزارة المياه (فرع الرياض) سابقاً، الذي انتقل إلى جوار ربه فجر يوم الخميس الموافق 2-2-1448هـ بعد معاناة مع المرض، تاركاً خلفه إرثاً مهنياً وإنسانياً يحكي سيرة قائد استثنائي.
المهندس محمد الغنيمي (أبو عاصم) هو واحد من أولئك القادة الذين أفنوا حياتهم في خدمة الوطن، وقضى سنوات طويلة في قطاع المياه والخدمات البيئية، تدرج خلالها في المناصب القيادية حتى وصل إلى منصب مدير عام التشغيل والصيانة في فرع الوزارة بالرياض. ولم تكن مسيرته مجرد تراكم سنوات وظيفية، بل كانت مدرسة في الإخلاص والتفاني والقيم والوفاء والنزاهة، حيث عمل على تطوير الأنظمة الإدارية وتحسين أداء القطاع، إيماناً منه بأن تطوير القطاع الحكومي يبدأ بتطوير العنصر البشري وتجويد العمليات الإدارية.
وكان صاحب فكرة إنشاء مركز الأبحاث والتطوير في قطاع المياه والخدمات البيئة (فرع الرياض) واستعان بخبراء أكاديميين (كمستشارين غير متفرغين) في مجالات الكيمياء الحيوية والدراسات المائية ضمن الأفكار المستنيرة التي كانت قابلة للتطبيق والقياس بدعم قوي ومباشر من مدير عام المياه بمنطقة الرياض السابق المهندس خالد البواري قبل ثلاثة عقود زمنية.
وبعد صدور القرار الوزاري القاضي باستحداث إدارة تعنى بالتطوير الإداري في الأجهزة الحكومية كلف م. محمد بالقيام بالعمل مديراً عاماً للتطوير الإداري آنذاك، إلى جانب عمله مديراً عاماً للتشغيل والصيانة.. وأحدث نقله نوعية في مجال التدريب والأبحاث العلمية المائية بالمديرية.
عُرف عن فقيدنا الغالي «أبو عاصم» رحمه الله تعالى حرصه الدائم على مواكبة أحدث أساليب الإدارة الحديثة، وسعيه المستمر لنقل الخبرات وتأهيل الكوادر الوطنية، واضعاً نصب عينيه مصلحة الوطن والمواطن. كان يرى في العمل الإداري (رسالة) وليس مجرد (وظيفة)، وكانت إدارته نموذجاً في الانضباط والشفافية والنزاهة والقيم التنظيمية، مع روح إنسانية تخفف من صرامة الأطر الرسمية.
ما يميز القادة الحقيقيين هو ما يتركونه في قلوب من عملوا معهم ومن حولهم، وقد كان المهندس الغنيمي -رحمه الله تعالى- من هؤلاء بامتياز. فقد عُرف عنه التواضع الجمّ، والأخلاق النبيلة، والبعد الإنساني الواضح في تعاملاته. كان قريباً من مرؤوسيه، يستمع إليهم، يشاركهم همومهم، ويحرص على تهيئة بيئة عمل صحية تحفز على الإبداع وتمنح الجميع شعوراً بالانتماء.
لم تقتصر إنسانية الراحل (أبو عاصم) على حدود العمل، بل امتدت إلى كل من عرفه، فكان معيناً للمحتاجين، وسنداً للمقصرين، وأباً روحياً للكثيرين ممن تتلمذوا على يديه واستفادوا من خبراته وتوجيهاته. وقد شهد له الجميع بأنه كان يستخدم سلطته القيادية كوسيلة لخدمة الآخرين، لا لتسلط أو استعلاء. وذلك وفق الأنظمة المتبعة.
برحيل المهندس محمد الغنيمي، تفقد الأسرة الإدارية أحد رموزها المؤثرة. لكن ما زرعه الفقيد الغالي من قيم ومبادئ في النفوس التي عملت معه، وما أسسه من أنظمة ومناهج إدارية مازالت مستمرة، يبقى إرثاً حياً يمتد أثره ويخلد ذكراه.
لقد ترك الراحل بصمة واضحة في قطاع المياه الذي شهد خلال فترة عمله نقلة نوعية على المستوى الإداري، وما يزال الكثيرون يذكرون مبادراته التطويرية وحلوله المبتكرة للمشكلات الإدارية، وكيف كان يختار كلماته بعناية، ويتعامل مع الصعاب بحكمة وروية.
إن الخيرين يذهبون، لكن سيرتهم تبقى، وقصصهم تُروى، ومآثرهم تخلد في الوجدان وتحفر في الذاكرة. رحم الله صاحب القلب الكبير (أبو عاصم) رحمة واسعة، وأسكنه جنات النعيم، وجعل ما قدّمه من جهد وعطاء ووفاء في موازين حسناته، وألهمنا جميعاً الصبر الجميل. (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ).