مهدي آل عثمان
يمثل قطاع الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد اليوم أحد أهم القطاعات الاقتصادية في العالم، فهو الشريان الذي تنتقل عبره المواد الخام والمنتجات والسلع بين المصانع والموانئ والمستودعات والأسواق، كما يعد أحد أبرز المؤشرات على قوة الاقتصادات وقدرتها على المنافسة. وقد أولت المملكة العربية السعودية هذا القطاع اهتماماً كبيراً ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030، انطلاقاً من موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط بين ثلاث قارات، واستثمرت مليارات الريالات في تطوير الموانئ، وشبكات الطرق، والسكك الحديدية، والمناطق اللوجستية، لتصبح مركزاً عالمياً للتجارة والخدمات اللوجستية.
ومع هذا النمو الذي تشهده المملكة العربية السعودية، فإن المرحلة الحالية تستدعي مراجعة مستمرة لآليات تنظيم القطاع، بما يواكب حجم الاستثمارات ويعزز كفاءته، ويضمن أن تتحقق أهداف التنمية الاقتصادية بالتوازي مع حماية سوق العمل، وتعزيز الأمن الوطني، وتمكين الكفاءات السعودية من قيادة أحد أهم القطاعات الواعدة.
ومن أبرز القضايا التي تستحق الدراسة واقع بعض المؤسسات الفردية العاملة في النقل والخدمات اللوجستية، إذ قد توجد حالات لا يباشر فيها صاحب المؤسسة نشاطه بصورة فعلية، بينما تتولى إدارة النشاط وتشغيله أطراف أخرى بصورة تخالف الغاية التي من أجلها منح الترخيص. وهذه الممارسات -إن وجدت- لا تؤثر في المنافسة العادلة فحسب، بل قد تحد أيضاً من فرص المستثمرين الجادين، وتضعف فرص الشباب السعودي في دخول هذا القطاع وبناء خبراتهم فيه.
كما أن شركات الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد، عند طرح عقود النقل أو إسنادها إلى مؤسسات ومقاولين فرعيين، تتحمل مسؤولية وطنية إلى جانب مسؤوليتها التجارية. فالمنافسة لا ينبغي أن تقوم على أقل الأسعار وحدها، بل يجب أن تشمل معايير الامتثال للأنظمة، ونسب التوطين، وجودة الأداء، والاستثمار في تأهيل الكوادر الوطنية، بما يضمن استدامة القطاع ورفع كفاءته.
ومن هنا تبرز أهمية إعادة دراسة هذا القطاع بصورة شاملة من قبل الجهات ذات العلاقة، وفي مقدمتها وزارة النقل والخدمات اللوجستية، ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، ووزارة التجارة، ووزارة الطاقة، والهيئات الرقابية المختصة، بهدف مراجعة آليات الترخيص، والرقابة على ممارسة النشاط، وتعزيز الامتثال، والحد من أي ممارسات قد تؤثر في عدالة المنافسة أو جودة الخدمات.
كما أن توطين القطاع لا ينبغي أن يقتصر على وظائف محددة، بل يمتد ليشمل مختلف التخصصات المرتبطة بالنقل وإدارة الأساطيل، والتخطيط اللوجستي والتشغيل، وإدارة المستودعات، وسلاسل الإمداد، والتقنيات الرقمية المرتبطة بها. فهذه المهن أصبحت تعتمد على المعرفة والتقنية والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، وهي مجالات قادرة على استيعاب آلاف الكفاءات السعودية إذا ما أتيحت لها فرص التدريب والتأهيل المناسبة.
ويمكن كذلك دراسة وضع معايير تشجع شركات الإمداد الكبرى على منح نسبة من عقودها للمؤسسات الوطنية الملتزمة بالتوطين والامتثال، بما يحقق توازناً بين المنافسة الاقتصادية وتنمية المحتوى المحلي، ويمنح المنشآت الجادة فرصاً للنمو والاستدامة.
ولا يقل الجانب الأمني أهمية عن الجانب الاقتصادي، فبعض عمليات النقل والخدمات اللوجستية قد تتعلق بإمدادات موجهة إلى مرافق سيادية أو أمنية أو عسكرية أو بنى تحتية ذات طبيعة حساسة.
ومن هنا، فإن تطوير الضوابط المنظمة لهذا النوع من الأعمال يعد مطلباً مهماً، من خلال تصنيف الشحنات بحسب مستوى حساسيتها، ووضع اشتراطات مناسبة للعاملين والناقلين، وتعزيز إجراءات التحقق والرقابة، وإعطاء الأولوية للكفاءات الوطنية في الأعمال التي تتطلب مستويات أعلى من الموثوقية والمسؤولية، بما يحافظ على أمن المعلومات وسلامة سلاسل الإمداد، دون أن يكون ذلك مبنياً على تعميم أو تمييز، وإنما على معايير تنظيمية واضحة تطبق على الجميع.
ولا يعني هذا الطرح التقليل من الدور الذي تؤديه العمالة الوافدة في الاقتصاد الوطني، فهي أسهمت في العديد من القطاعات وما زالت تؤدي دوراً مهماً وفق احتياجات سوق العمل، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز حضور الكفاءات السعودية في القطاعات الإستراتيجية، وبناء منظومة قادرة على إعداد وتأهيل أبناء الوطن لقيادة هذه الصناعات، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة في رفع نسب التوطين وتعظيم المحتوى المحلي.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول التي نجحت في بناء منظومات لوجستية قوية لم تعتمد على البنية التحتية وحدها، بل استثمرت في العنصر البشري، وأحكمت الرقابة على الأسواق، وربطت النمو الاقتصادي بالحوكمة والامتثال والأمن. وهذه هي المعادلة التي تحتاجها المرحلة المقبلة في المملكة، حتى يصبح قطاع الخدمات اللوجستية نموذجاً في الكفاءة، ومصدراً لفرص العمل، وداعماً للاقتصاد الوطني، وركيزة من ركائز الأمن الوطني.
إن مراجعة هذا القطاع اليوم ليست دعوة إلى تقييد الاستثمار أو الحد من المنافسة، بل هي دعوة إلى تطوير التشريعات، وتعزيز الحوكمة، ودعم المستثمر الملتزم، وتمكين المواطن السعودي من قيادة قطاع يعد من أسرع القطاعات نمواً وأكثرها تأثيراً في مستقبل الاقتصاد الوطني. فكلما كانت سلاسل الإمداد أكثر تنظيماً، وأكثر اعتماداً على الكفاءات الوطنية، وأكثر التزاماً بالأنظمة، كانت المملكة أقرب إلى تحقيق مستهدفاتها بأن تكون مركزاً لوجستياً عالمياً يجمع بين الكفاءة الاقتصادية، والاستدامة، والأمن، والمصلحة الوطنية.